الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حبابك عشرة (2) منقول جمال الغيطاني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبدالمنعم ترتورة

avatar


مُساهمةموضوع: حبابك عشرة (2) منقول جمال الغيطاني   الإثنين 11 مارس 2013 - 16:59

في رأيي أن الثراء في التنوع والاختلاف مع التفاعل الخلاق، في السودان الجلباب زي وطني وأحيانا شبه رسمي، له خصوصيته في عالم الجلابيب، فليس كل جلباب يشبه الآخر، في الصعيد يختلف التفصيل من قرية إلى أخرى، ثمة فروق دقيقة لا يلحظها إلا خبير.
الجلباب في شبه الجزيرة يبرز تفاصيل الجسم، خاصة الظهر، والأكمام فنزل إلى اليد بعنق واحد، بعكس المصري والسوداني الذي يتسع قرب نهاية، وفي مصر نوعان، الأفرنجي والبلدي، والأخير أقرب إلى السوداني، وكلاهما فضفاض لا يسمح بظهور تفاصيل الجسد.
لا يكتمل الجلباب السوداني عندي إلا بالعمامة، كذلك جلسة خاصة عند القعدة، تشعر أن الرجل يقف شامخا أكثر مما هو قاعد، ربما مرجعية ذلك رؤيتي الطيب صالح- شفاه الله- مرتديا الزي بكامله، وكان ذلك في المغرب، الطيب حكاء عظيم، مثل حافظ للمتنبي، مهتماً دائما في نطقه ما يضفي عليه صفة الحكمة، يبدو في جلوسه كأنه مستقر فوق سنام جمل، هذا ما يمنحه الجلباب السوداني بشرط اقترانه بالعمامة.
في الأمسية التي ألقيت فيها محاضرتي جاء الدكتور صديق مرتديا الجلباب، هكذا ظل إنه شديد الحيوية والنشاط، لا يتوقف عن استخراج مكنونه من الشعر نطقا، ذاكرة قوية، دهشت عندما عرفت أنه حاصل على الدكتوراه في الهندسة وليس الأدب، ابن شقيقته الشاعر السوداني الكبير التيجاني يوسف بشير، أحد أهم شعراء العربية في القرن العشرين، من أعلام المدرسة الرومانسية، من جماعة أبوللو التي تأسست في مصر.
في المطار عند سفرنا جاء مرتديا الزي الأفرنجي، عندما حان وقت تناول أحد أقراص الدواء تناول الحافظة الصغيرة التي أرتب فيها ما أمرني به طبيبي الدكتور جلال السعيد، فوجئت بصديق المجتبي يشرح لي عمل كل دواء معي، يتحدث كخبير، قال إنه ألم بذلك أثناء علاج والده صديق المجتبي من الصحب الذين اكتسبتهم خلال زيارتي السريعة تلك، أذكره فكأني أعرفه من بعيد.
* طيور الصباح
رغم أن الماء في الكوكب واحد، مستواه واحد، لا يزيد هنا عن هناك، إلا أن لنهر النيل قرابة، ما من نهر يشبه النيل، إنه حقا جد الأنهار جميعا، بفندق يطل عليه مباشرة، في الصباح الأول، تركت الستائر مفتوحة حتى أصحو مع أول لحظات الضوء، أود أن أرقب بدايات النهار، أن أعرف الاتجاه من خلال الشروق، أن أطل على النهر.
وقفت في الشرفة أستعذب الهواء البكر، الصافي، الخالي من التلوث، مبهورا بماء النيل الوردي، إنه لون الفيضان الذي افتقدناه بعد بناء السد العالي لترسب الغرين القادم من بلاد الحبشة وهضابها، يترسب الآن في قاع بحيرة ناصر، من المشاريع المكملة للسد نزح هذا الغرين حتى لا يتراكم ويصبح في مستوى الأرض المحيطة به يرتفع إلى ما يتجاوز السد، ترى هل يفكر خبراء يونيو سبعة وستين؟
أعود إلى النهر، المدينة تنبسط أمامي على الضفة الأخرى، أفقية فمعظم أهل السودان يفضلون الإقامة في بيوت مستقلة تضم أجيال الأسرة كلها.
الإقبال على سكنى الشقق ضئيل للغاية ومستهجن اجتماعيا، كأنني أقف على شاطئ النيل بمحافظة سوهاج التي ولدت بها، غير أن المباني الحديثة شاهقة الارتفاع بدأت تجسد للخرطوم بعدا رئيسيا بعد الطفرة الاقتصادية التي شهدها السودان في السنوات الأخيرة.
ويتجسد هذا في ارتفاع قيمة الجنيه، في زيارتي الأولى كان الجنيه المصري يساوي جنيهين هنا. الآن الجنيه السوداني يساوي ثلاثة مصري، أبراج جديدة تذكرني بعمارة العولمة في دبي وشانغهاي وماليزيا، على الضفة الأخرى فندق ضخم قارب على الانتهاء خطوطه العامة تذكرني بفندق دبي الشهير الذي أصبح رمزا للإمارة والموجود رسمه على لوحات السيارات.
خصوصية العمارة في السودان لم ألمحها إلا في شكل القباب المخروطية فوق مساجد الأولياء والصوفية الذين يحتلون منزلة كبرى عند الناس هنا، مع قرب شروق الشمس يشتد مصدر الضوء سطوعا، هكذا تمكنت من تحديد مصدر الشروق، إذن نحن على الضفة الشرقية للنيل الأبيض القادم من منطقة البحيرات، يتحدان يمتزجان، ثم يمضيان إلى الشمال، إلى مصر، إلى المصب، كل نهر مصيره إلى بحر، تماما مثل الحياة الفرية، نقطة الماء التي تنزل فوق هضاب الحبشة، تقطع المسافة إلى دمياط أو رشيد، في أحد عشر يوما، هكذا أخبرني منذ سنوات أحد خبراء الري.
أفسح لهواء الخرطوم النقي شعاب صدري، فجأة أحبس شهيقي، أتطلع مبهورا إلى الطائر الجميل الذي حط على عمود أعلى الشرفة، ريشه كون من الألوان، لم أشأ إزعاجه، رحت أتأمله في هذا الصباح الباكر، فجأة طار بغتة كما ظهر، بعد لحظات رأيت حماما طائرا أكبر حجما لكنني لم أعرف كيف أصنفه، ليس حدأة، وليس غرابا، إنه متعدد الألوان.
راح يطير في دوائر واسعة وعلى ارتفاعات مختلفة، ما بين شاطئ النيل الذي يفصله عن مبنى الفندق شاطئ عريض مزروع بالنباتات المختلفة، لمحت أسرابا من الطيور فوق النيل تبدو أصغر حجما، الطيور عندي تجسيد للحياة ورموز لها، أما النيل فهو المدد ذاته.جريدة الرأي الكويتية يوم 10/3/2013
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
حبابك عشرة (2) منقول جمال الغيطاني
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: منتدى الحصاحيصا الثقافى-
انتقل الى: