الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 "والله الديمقراطية حلوة .." محمد المكي إبراهيم "جدير بالقراءة"

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المحبوب أحمد الأمين




مُساهمةموضوع: "والله الديمقراطية حلوة .." محمد المكي إبراهيم "جدير بالقراءة"    الإثنين 16 يونيو 2014 - 5:34



(( خرجت من بلاد يحكمها النميري بالحديد والنار إلى بلد يحكمها الجنرال ضياء الحق بنفس الفكرة ولكن بطريقة أبوية تذكر الإنسان بالرئيس إبراهيم عبود الذي لم يكن يسجن أو يعذب وكان فعلا يعمل من أجل الوطن وخيره وسعادته فأقام المشاريع العظام انطلاقا من مبدأ أحكموا علينا بأعمالنا، إلا أنه نسي شيئا واحدا هو أن سعادة البشر لا تكتمل إلا بالحرية وأن الانسان من دونها حشرة من حشرات الأرض وهوامها لا يهمه مشروع الجنيد ولا طريق الخرطوم – مدني ولا كرتون أروما الذي طرشق بأعلى ضوضاء ممكنة.

من بلاد الجنرال ضياء الحق توجهت إلى بلاد التشيك الجميلة وكان يحكمها آنذاك السيد هوساك وهو شيوعي مخضرم ينحدر من أصول سلوفاكية ويعيش في النصف الحلو من الجمهورية وهو الجزء الذي أخذ عزاله بعد انهيار الشيوعية وأصبح دولة مستقلة. وبطبيعة الحال كان نظامه شموليا ورغم تقدم بلاده ورفاهيتها المادية التي لا تقبل المقارنة مع السودان أو باكستان إلا أن شعبه لم يكن سعيدا. ونظرا لكونه شعبا ذكيا مثقفا فقد كانت هوايته القومية هي التنكيت على حكومته ورجالاتها الأبرار.

وهي نكات تعد بالألوف وتملأ المجلدات ولكنني سأروي واحدة منها فقط على سبيل العينة. تقول النكتة أن هوساك أسلم الروح وأعلنت الدولة وفاته على شعبه المحب إلا أن مكان دفنه كان مشكلة سياسية كبرى فقد قال التشيك: – إنه من سلوفاكيا ويجب دفنه هناك. وقال السلوفاك - لقد قضى عمره كله في الأراضي التشيكية مناضلا في الحزب ورئيسا للجمهورية ومن باب أولى دفنه في البلاد التي عاش فيها وخدمها طيلة حياته. وأصر كل جانب على رأيه: التشيك لا يريدونه والسلوفاك ايضا لا يريدونه. وعند ذلك نط يهودي تشيكي وقال:
- انا عندي الحل.. نأخذه وندفنه عندنا في إسرائيل ونكون حلينا الاشكال. عند ذلك اعترض الجانبان وصاحوا: انتم اليهود لا تحسنون الدفن.. لقد دفنتم السيد المسيح فقام بعد ثلاثة أيام. ونحن لا نستطيع أن نجازف.

- بعد خروجي من باكستان أودت مؤامرة غادرة بحياة الجنرال ضياء الحق فقد كان من عاداته إذا عاد من سفر أن يأتي محملا بالهدايا للوزراء وأعضاء السلك الدبلوماسي، وكثيرا ما تمتعنا باليوسفي الهجين الذي كان يبعثه إلى مساكننا في أوائل الموسم وبالمانجو السندي المعتبر الذي كان يتحفنا به في كل موسم، وفي رحلة نظمها لنا إلى كشمير الباكستانية “خلع علينا” كما يقولون في الآثار القديمة فقد أعطى كل واحد منا جبة الصوف التقليدية التي يلبسها أهالي كشمير في بردها الشديد. وبعد عودتنا إلى إسلام أباد راحت زوجات السفراء يبحثن عن الحائكات القديرات ليحولن جبة الصوف إلى جوبات واسكيرتات لهن.

- يقولون إن الرئيس الراحل أمر بتحميل الفاكهة في طائرته الخاصة ليهادي بها الوزراء والسفراء ولكن يدا غادرة امتدت في الخفاء ووضعت مع الفاكهة الشهية قنبلة قاتلة تفجرت والطائرة في السماء فتوزع حطامها على مئات الأميال المربعة ولم يعد ممكنا فرز الأجساد البشرية من الحقائب والفاكهة والحطام، وهكذا مضى رجل باكستان القوي دون لحد أو ضريح.
- لا تقل “يستاهل”..حرام عليك يارجل وحرام عليك ياست فالمرحوم رغم أخطائه أحسن إلى بلاده كثيرا وأحسن إلى جارته الأفغانية وعلى رأس تلك الأخطاء استغلاله للدين لتبرير حكمه الدكتاتوري. وقد كان من فضائل الجماعة الإسلامية في باكستان أنها رفضت التعاون معه ودخول تشكيلاته الوزارية. وقالت له الجماعة: إن الشعار الاسلامي شعارنا نحن ونحن نتولى تطبيقه متى جئنا إلى السلطة ولن نترك امر تطبيقه لجنرال من الجيش مهما بلغ إخلاصه وحماسه. الله يرحمنا جميعا .

وهكذا يرى سيدي القارئ وسيدتي القارئة أنني قضيت تلك السنوات الطوال بين النميري (لا جاز لا فحم) وضياء الحق وهوساك ولا شك أنني في غضون ذلك نسيت شكل الدمقراطية وطعمها ورائحتها ولم يبق لي منها سوى ذكريات الشباب الأول مع اولئك العظماء: الأزهري، عبد الله خليل، شيخ على عبد الرحمن، مبارك زروق، الإمام الصديق وذلك الجندي المجهول: المحلاوي نائب عطبرة الذي كان الوحيد بين أبناء عصره والأول في الحديث عن ثروات السودان البترولية والمعدنية. عدت من تلك السياحات عام 1988لأجد في السودان ضالتي المفقودة فقد كانت تحكمه الديمقراطية وكان رئيس وزرائه دولة الصادق المهدي(اشطب اذا كان ممنوعا ذكره حتى في السياق التاريخي) كان يخاطبنا من الاذاعة والتلفزيون قائلا: بنو وطني الحبيب.

يا سلام، يا سلام. وكمان شهدت أول ليلة سياسية بعد عقود من الحرمان.. وشفت مظاهرات ومواكب يحرسها البوليس ولا يطلق عليها ذلك الغاز البذيء.. شفت ندوات وقرأت كتابات تنضح كلها بالرغبة في تحرير الوطن من فقره وتخلفه وتحويله إلى جنة لأجيال السودانيين. ورأيت المجتمع المدني ينهض في فورة عارمة ليأخذ دوره الضائع في بناء الوطن.
قلت “فورة عارمة” فبعد حبس امتد 16عاما كنا مليئين بالأحلام الممكنة والمستحيلة وكنا سعداء واحرار.. صحيح أن الكهرباء (الكهرباء وحدها وليس الماء والكهرباء) كانت تنقطع عن بيوتنا وكنا نصطف لوقود سياراتنا ورغيف أولادنا ولكنا كنا سعداء وممتلئين بحب الوطن والناس الذين يحيطوننا فقد كنا جميعا “بنو وطني” وكان جنيهنا(نعم كانت هنالك عملة بذلك الاسم) كان يرغي ويزبد غاضبا لأن الدولار الواحد صار يساوي خمسة عشر من فلذات أكباده وهو كاره لذلك ومستكثر له.

من ندوة عن البيئة إلى ندوة عن الحدائق والبساتين.. من اجتماعات تأسيسية لمنظمة جديدة من منظمات المجتمع المدني إلى ندوة لمبتوري النميري(لا جاز لا فحم)..من حلم إلى حلم كان الوطن يغلي في أعماقنا ويبشر بالمستقبل السعيد وكنت افتتح خطاباتي لصديقي الشاعر المبدع سيد احمد الحردلو بهذه الابيات:
أيها الناس من مات مات
ومن لم يمت فليجئ معنا
إننا ذاهبون إلى جنة عرضها الوطن العربي الكبير في تلك الأيام التي تدير الرأس كنت مزهوا ببلادي وشعبها وفي الطريق العام كثيرا ما كنت أقول لنفسي: انظر يا ولد.. انك رجل يسعى في بلاد الانتفاضة.. رجل له ظل يتبعه وله إرادة واحترام ولا يستطيع أحد أن يبهدله دون مقاومة وعراك. وإلى كل ذلك كنت مليئا بالعطف المتساوي على كل تيارات السياسة السودانية فقد كان بوهمي أنهم جميعا يسعون في خير البلاد مهما اختلفت مناهجهم واساليبهم.

لقد مرت مياه كثيرة تحت الجسور وفوق الجسور.. تغيرت الدنيا وذلك من طبعها اللئيم ولكن شيئا واحدا ظل على حاله هو الحلم بالعيش في بلد ديموقراطي يكفل الحرية ويسمح لنا بأن نقول آرائنا في سياسة السودان لأن السودان هو البلد الوحيد الذي اختاره الله أرضا لميلادنا من بين قرابة مائتي بلد ينتمون كلهم إلى الامم المتحدة. وإذا تحدثنا في شئونه فإن ذلك ليس تدخلا في الشئون الداخلية لتنجانيقا أو جمهورية فولفو العليا- أنه وطننا وقد جئنا بأرض آبائنا وقبلنا بتذويبها في إطاره العريض ولا يحق لأي كائن أن يجعلنا نندم على ذلك القرار ويضطرنا لحمل البندقية لنطالب (ضمن اشياء أخرى) بجمهورية أم قريقيرة الديمقراطية )).




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المحبوب أحمد الأمين




مُساهمةموضوع: رد: "والله الديمقراطية حلوة .." محمد المكي إبراهيم "جدير بالقراءة"    الإثنين 16 يونيو 2014 - 16:47









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المحبوب أحمد الأمين




مُساهمةموضوع: رد: "والله الديمقراطية حلوة .." محمد المكي إبراهيم "جدير بالقراءة"    الثلاثاء 24 يونيو 2014 - 8:35












(خاطرات عبر الهاتف بدعوة من الجالية السُّودانيَّة بكاليفورنيا للمشاركة في احتفالها في 22 يونيو 2014م بتقاعد الشَّاعر السَّفير محمد المكي إبراهيم)
+++++



أيُّها الجَّمع الكريم،
مسَّاكم الله بالخير،
اسمحوا لي أن أبسط ذراعيَّ أعانقكم، وأشدُّ على أياديكم، تعبيراً عن أطيب آيات الشكر، أولاً لما تقومون به تجاه حبيبنا مكي من تكريم هو أهل له، بل هو، بالحق، بعض حقه المستحق؛ وثانياً لإتاحتكم لي هذه السانحة كي أشارككم هذه الاحتفاليَّة، مشاركة قد تجئ قاصرة من على البعد، لكن .. لا بأس، فعيب الزَّاد ولا عيب سيدو!

(1)
ويلزمني، بادئ ذي بدء، التنويه بأنني ارتأيت أن أخرج بمساهمتي هذه من طقس العاطفيَّات المحضة التي درج الناس عليها في مثل هذه المناسبات، لأدلف إلى معنى آخر قد يكون أكثر نفعاً، أضئ من خلاله، بكلِّ المحبَّة التي أكنُّ لصديقي، حزمة خاطرات عنَّت لي من عُشرة طويلة رائقة معه، تعود بدايتها إلى العام 1968م، كما عنَّت لي من واقع فنِّه المجوَّد الرَّاقي؛ وتتركز، تحديداً، على خاصيَّتي "الطرافة" و"الرؤية المدهشة" كعنصري عذوبة في شعريَّته وشخصيَّته.

لكن ذروني، ابتداءً، أسأل الشَّباب من بينكم، خاصَّة، والذين ربَّما كانوا كثراً، عمَّا إن كنتم تعلمون دوافع هجرة مكي وأم كمال وعيالهما، أصلاً، إلى أمريكا البعيدة؟! فهل، تراه، أتاكم، وأنتم تحتفلون ببلوغ حبيبنا ساحل التقاعد الأمريكي، حديثُ النخبة الحاكمة التي شطبت "الدَّولة"، مطلع تسعينات القرن الماضي، وأحلت "النظام" محلها، فغدر الأخير بمكي، وعاجله بطعنة نجلاء في الظهر، تماماً كما فعل مع عشرات الآلاف مِمَّن رفضوا الانصياع لمطالبته لهم، منذ أوَّل سنوات السَّجم والرَّماد، بأن يجثوا على ركبهم في خدمته، بذات الروح التي بذلوا بها أنضر سنوات أعمارهم في خدمة "الدولة"؟!

مهما يكن من أمر، ولمَّا كانت خدمة "الدَّولة"، في الكثير من وجوهها، واجباً وكرامة، بينما خدمة "النظام"، في كلِّ الأحوال، ذل ومهانة، فقد آثر مكي أن يهاجر، مع الآلاف أيضاً، وراء رزق شَّريف يلتمسه ولو في الأرض الجديدة، تاركاً مكانه شاغراً وسط أهله وأصدقاءه ومحبيه وعارفي فضله، إلا من ذبذبات الحنين تخشخش بها، بين الحين والحين، خطوط الهواتف في ما وراء البحار، من كليفورنيا إلى حي القبة، ومن فريق السيِّد المكي إلى أحياء كثر، وشوارع بلا عدٍّ ولا حدٍّ، في الأبيِّض وأم درمان والخرطوم و الخرطوم بحري، فما بلَّ شئ من ذلك ريق أشواقنا، ولا سدَّ بعضاً مِمَّا تهفو إليه أنفسنا. مع ذلك كان عزاؤنا أن في كلِّ حركة بركة، وأن سفر مكي ليس سفر خريفْ ولا أكِل تفاتيفْ!

لكنني، لمَّا أتاني صوته متثاقلاً، ذات مساء شتائي، ينبئني، وقد تصرَّمت أشهر متطاولات على هجرته، بأنه لم يكن قد وجد، حتى ذلك الحين، عملاً يناسبه، بلغ بي الجَّزع أوجه، وأنا الذي كنت ظننت، ربَّما لغرارة ما، أو لشئ من هذا القبيل، والعياذ بالله، أنه، بمجرَّد أن تطأ رجلاه الأرض الجديدة، لن يحتاج لأكثر من إبراز أوراقه الدبلوماسيَّة، وطروحاته الفكريَّة، ومجموعاته الشِّعريَّة، كي تُحنى له الهامات توقيراً، وتُمدُّ إليه الأكفُّ ترحيباً، ويُفرش تحت قدميه السجَّاد الأحمر تكريماً، ويقول له الجنِّيُّ الأعظم في تلك البقاع: "شبيك لبيك كنوز اليانكي بين يديك"! فما لبث، لمَّا سمع مني ذلك، أن جلجلت ضحكته تهزُّ خطوط الهاتف، وعلق قائلاً بصوت ينضح سخرية معهودة، وشجناً أسيفاً:
ـ "مين يا بو كمال يعرف عيشة في سوق الغزل"!

أحسست، لحظتها، بشئ كوخزة إبرة صدئة في صدري، وبحزن ثقيل كجبل يهصر روحي مرَّتين؛ مرَّة لكوننا نتنازل، هكذا، لصقيع المهاجر، في أعجف أطوار تردِّينا، كي يقطف، كيفما اتفق، أينع كوادرنا التي ما فتئنا نستثمر فيها من دم القلب، جيلاً بعد جيل، ليحوِّلها إلى محض "عيشة" في "سوق غزل"! ومرَّة ثانية لأن لسان الترجمة المعقود لدينا، أو قل المقطوع، إن شئت، عليه اللعنة من فوق سبع سماوات، يتقاصر عن التعريف اللائق بقامة كقامة مكي تمثل الفكر في أسطع تجليات أصالته، والشِّعر حالة كونه طقس استبصار يضمر سرَّ وحدانيَّته وفرادته في أعمق جذور العتمة المفصحة، ويشعل حضور حسِّه الجمعي من فوق أعلى هامات النور الكتيم.

(2)
في تعامله مع الأشياء والظاهرات الصَّمَّاء البكماء، تماماً كما في تعامله مع البشر الذين هم من لحم ودم وعظم وأعصاب، لا يكتفي مكي بالوقوف عند الأسطح الملساء، بل يمضي يلتمس "الطرافة" و"الرؤية المدهشة" في كلِّ ذلك، بنباهة معهودة، وفراسة مشهودة، وراء خشونة الجُّدُر، واعوجاج السُّدوف، وانحدارات السقوف، وتعرُّجات المماشي الأماميَّة، والتواءات الشوارع الخلفيَّة. وربما كان في ذلك تفسيرٌ وافٍ، على نحو ما، لانفجار "الطريف" و"المدهش"، سواء بـ "السُّخريَّة" أو بغيرها، في جُلِّ ما يصدر عنه من مواقف، أو يبدي من نظر، شعراً أو نثراً، ولو في أبسط الأشكال. ومن المعلوم أن "الطريف" و"المدهش" لا يتحدَّران إلا من روح خفيفة تحلق في الآفاق بزكاوة وهَّاجة، وذكاء وقاد، وتلك قسمة لا تُوهب، قطعاً، إلا لمن أوتي حظاً عظيماً! ويسهل التماس بعض نماذج هتين "الطرافة" و"الرؤية المدهشة" في كثير مِمَّا يصدر عن مكي من مواقف، أو يبدي من نظر، سواء عبر مسالك الحياة اليوميَّة، أو في تجليَّات ما يبدع من شعر، رغم أنني، من زاوية النظر النقديَّة، لست من أنصار "نظريَّة المطابقة"، ضربة لازب، بين المبدع وإبداعه، فإن حدث ووقع شئ من ذلك، أحياناً، فينبغي التعاطي معه بحذر، وفي أضيق الحدود، على أن ذلك آمر آخر!

دعوني، إذن، أحكي لكم، في هذا الإطار، حكاية كنت أنا نفسي شاهداً عليها أوائل ثمانينات القرن الماضي، مع بدايات تدمير الطبقة الوسطى، وتفكيك مملكة الأفنديَّة. ففي نهاريَّة رمضانيَّة سخانتها تشوي مخ الضَّب، اقترح عليَّ مكي، عشان نكسِّر الزمن لحدي وكت الفطور، نمشي الخرطوم بي عربيتو نتفقد قطعة أرض كان سحب قرعتها، ضمن خطة إسكانية قديمة، لكنُّو ما حصل شافها غير مرَّة واحدة، وإن كان بيعرف وصفها بالتقريب. بالفعل مشينا. وجاي جاي وصلنا القطعة، ووقفنا بالعربية في نصها. كانت فلل الجيران كلها تحت التشييد، بعضها تحيط جدرانه الخارجيَّة بالقطعة من تلاتة جنبات، وبعضها واقع على الشارع القصادها، وبعضها قايم في نواحي تانية من الحي، لكين ما كان في أي فللا مكتملة، أو مسكونة بأصحابها. كل السكان كانوا، في ما يبدو، أُسَرْ غُفرا من دارفور. ولما شافونا جو جارين واتلموا حوالينا عشان يعرفوا نحن منو وعايزين شنو. مكي اتجاهل أسألتهم، وقعد يشير للفلل واحدة واحدة ويسألهم: المبنى دا بتاع منو؟ فيجاوبوه بأصوات عالية: دا بيت ود الفلاني بتاع الإسبيرات. ودا بيت منو؟ بيت ود العلاني بتاع الزيوت. ودا؟ بيت ود الفلتكاني بتاع اللساتك. ودا؟ بيت ود كذا بتاع كذا؛ إلى أن سألهم: والقطعة الفاضية النحنا واقفين فيها دي بتاعت منو؟ فما لبثت أصواتهم أن تراخت لتجيب في غير ما حماس: لا لا دي ساكت ما معروف ليها سيد! فما كان من مكي إلا أن صاح فيهم بصوت مستنكر: ما معقول يا جماعة .. عيب عليكم ما تعرفوها .. دي حقت ود المكي بتاع "أمتي"!

وأذكر، في السِّياق أيضاً، شهادة صدرت في مناسبة أخرى جمعتنا في بيتنا بحي الهجرة بالخرطوم بحري، ذات نهار في منتصف عقد الألفيَّة الأوَّل، نحتفي بعودته الأولى من أمريكا بعد غياب دام سنوات طوال. كان ثمَّة مفكرون، وأدباء، وفنانون، وساسة. فاتفقوا جميعاً على أن ينيبوا عنهم السَّيِّد الصَّادق المهدي في إلقاء كلمة ترحيب بالمحتفى به. فإذا به يدهشنا، أيَّما دهشة، وهو يعرِّج بالكلام إلى تمجيد "التلقائيَّة السُّودانيَّة"، مستشهداً بتلك الصورة الشِّعريَّة الطريفة، غير المسبوقة، التي لا بُدَّ أن مكي التقطها من استكشافه المتفرِّد لحميميَّة "التلقائيَّة" السَّلسة في الشَّوارع الخلفيَّة للظواهر السُّودانيَّة، مِمَّا انطبع، بأصالة فائقة، في تشبيهه للخرطوم، لدى لقائهما الأوَّل، بأنها: "مثلُ عاهرات الرِّيف لا تبسط كفاً للثَّمن/ تتركه يندسُّ في الصدر وتحت المرتبة"! لقد كان ذلك، بحق، نموذجاً مترعاً بقدر من الصِّدق و"التلقائيَّة" قد لا يخطر، للوهلة الأولى، ببال أحد، غير أن عدواه سرت، مع ذلك، إلى بلاغة الإمام بقوَّة!

(3)
ولعلنا لا نغادر هنا دون ملاحظة الحضور الطاغي للقضايا الفكريَّة في غالب نصوص مكي الشِّعريَّة. ولا غرو، وهو الذي جعل من لقاح "الغابة والصَّحراء" إطاراً عاماً لبذله الإبداعي. لكن، برغم كلِّ ما راكم تراث النقد العربي من احتفاء بلحظة "الانفعال" الخاطفة التي تغيِّب "الوعي"، باعتبار أن تلك اللحظة هي خاصيَّة أصيلة في الشِّعر، فإنه ينبغي ألا يتوهمنَّ كريم تعارضاً لازماً في نصِّ مكي الشِّعري بين هذا الحضور "الفكري" وبين "العذوبة" بعناصرها التي أشرنا إليها، إذ لا ينزلق هذا النصُّ، بالغاً ما بلغ دفع الفكر، صوب تخوم الفلسفة، خصوصاً بالنسبة لشاعر ذي طاقة واسعة، ودربة تتجاوز محدوديَّة انفعال اللحظة الشِّعريَّة، دون أن يخلط بين الشِّعر والفلسفة؛ فبهتين الطاقة والدربة تجاوز شعرٌ كثير، لدى مكي كما لدى غيره من الشُّعراء العظام، ضيق التعاليم النقديَّة المتوارثة، على هذا الصَّعيد، ضمن تقاليد المدرسة العربيَّة.

الشاهد أن مفاجأة المتلقي، أغلب الأحيان، بما يصعب، إن لم يكن يستحيل، توقعه، فضلاً عن الشغف برؤية ما لا يرى الآخرون، هو ما يجعل مكي عصيَّاً على التنميط، كإنسان، وكشاعر مفكر. فلئن كانت "العذوبة" بمثابة الشَّفرة الأساسيَّة لشعريَّته، فإن عنصري "الطرافة" و"الرؤية المدهشة" يشكلان، مع عنصري "السُّهولة الممتنعة" و"التلقائيَّة السَّلسة"، أبرز مكوِّنات هذه "العذوبة" المضادَّة لـ "التنميط"، الأمر الذي يشحن نصوص مكي بحيويَّتها الدَّفاقة، ويمنحها سلطتها الاستثنائيَّة على وجدان المتلقي، وينصِّب مكي، عن جدارة، على إمارة جيل أو ربَّما جيلين من الشُّعراء، خصوصاً منذ ديوانه البكر "أمتي" الذي أحدث صدوره دويَّاً في السَّاحة الأدبيَّة لا يماثله سوى دويِّ انفجار قنبلة هائلة. ويشتمل ذلك الديوان على الكثير من النماذج التي أشرنا إليها، كتشبيهه، مثلاً، إحساس الحبِّ الأوَّل بـ "دبيب بعوض داخل طبلة أذن"، أو بـ "الرغبة في تحكيك قفاً أو ذقن"! ووصفه للباعة في منطقة ما بين النهرين الأبيض والأزرق بأنهم "ملحاحون وحلافون، ولهم آذان تسمع رنَّة قرش في المريخ"! ووصفه لضيفيه بأن لديهما "عذوبة دمية حولاء"! ووصفه لحبيبته بأنها "صغيرة لا تملأ الكفَّ ولكن متعبة"! ووصفه لما جرى بعد وداعها ذات مساء، حيث "تغامزت عليَّ نجمتان، تنحنح النيل الوقور هازلا، وهنَّأتني نجمة مغازلة، وقال لي الشارع من يماثلك"! ووصفه لتشرُّده "في العشيَّات، وإذ أسير دون أصدقاء، تخرج لي لسانها الطوابق العليا.. ويرقص البناء كيداً وسخرية"! وصياحه للخرطوم في أذنها عمَّا قال "الكهَّان والمخنَّثون" عنها: "تحدَّثوا حتى أثاروا حسدي، وتعرفين أنني وراء لحظة من النعمة فوق جسدِ، أبيع للمضاربين مسبحتي وولدي"!

(4)
وقد يبلغ مكي، في سياق "سهولته الممتنعة" و"تلقائيَّته السَّلسة"، حدَّ توظيف ما يقرب من "ألفاظ" النثر السِّياسي، أو حتى الكلام العادي، في سبك العبارة والصُّورة الشعريَّتين، لا أروع، ولا أبدع. فإذا تابعنا القطف من نماذج "أمتي"، فثمَّة قوله الأيديولوجي الصريح، مثلاً: "هذا مجد الإنسان، أن يأكل قبل المدخنة، ويصفر قبل القاطرة، وينام على قلب أخيه الإنسان"! أو قوله الأشهر: "من غيرنا يعطي لهذا الشَّعب معنى أن يعيش وينتصر"! أو وصفه للطغاة بـ "الخائنين السارقين القاتلين الحاسبين الشعب أغناماً وشاء"! أو قوله أيضاً في مدح الشَّهيد: "تصاعدت إلى النعيم روحه الزَّكيَّة، إلى الخلود بطلاً وثائرا، وقائداً رعيل الشُّهدا"! أو قوله في تمجيد الحراك الجَّماهيري: "الثَّورة الشَّعبيَّة الكبرى تغذَّت بالدِّماء"! أو "سنعلم التاريخ ما معنى الصُّمود وما البطولة"!

في هذه النَّماذج، وفي الكثير غيرها، تفلت لغة مكي من الوقوع في حبائل الوهم الذي ما ينفكُّ يعشِّش في أذهان الكثير من المتلقين، بل، للأسف، من النقاد بوجه مخصوص، عمَّا يُعرف بـ "لغة الشِّعر"، وقوامها، لدى هؤلاء وأولئك، جداول "ألفاظ" يحسبونها، في حدِّ ذاتها، رطبة، ناعمة، ملساء، فتصلح للشِّعر اللين، بينما غيرها يابس، خشن، مجعَّد، فلا يصلح إلا للنثر الغليظ. وقد تصدَّت، منذ زمن سحيق، للكشف عن خطل هذا الوهم، قمم شوامخ في الأدب العربي، كالجُّرجاني والجَّاحظ، وذلك في إطار الجدل الذي احتدم ردحاً من الزَّمن حول ما عُرف بـ "قضيَّة اللفظ والمعنى". فلمَّا أجهد أنصار "اللفظ" أنفسهم في إثبات أن حسن "الكلام" من حسن "ألفاظه"، انبرى لحججهم الإمام عبد القاهر الجُّرجاني يفنِّدها، في (دلائل الإعجاز)، من زاوية أن "الألفاظ المفردة" هي محض وسائط لبلوغ البيان، فلا يُتصوَّر أن يقع تفاضل بينها دون أن تدخل فى تراكيب. أما الجاحظ، فرغم أنه يُنسب، عادة، إلى اللفظيين، إلا أنه شدَّد أيضاً، في (البيان والتبيين)، على أن مردَّ الأمر في استعمال "الألفاظ" وسبك الأسلوب إلى المعنى أو الموقف، لا إلى "اللفظ المفرد" في حدِّ ذاته.

(5)
آسف، أيُّها الأصدقاء، على الاستطراد والإطالة، إذ لا بُدَّ من نقطة في نهاية سطر هذه المشاركة المحدودة؛ ولعلَّ عذري أن سيرة مكي الإنسان والفنان حين تنفتح فإنها تستعصي على الإغلاق. وإن جاز لي أن أختم، هنا، بكلمة واحدة، فهي أننا، في انتظارك، يا صديقنا الحبيب، مع وطنك كله، بالشَّوق كله، كما وبالبساط الأحمر! دمت، ودامت أم كمال، ودام كمال وأخواه وأختاه، ودمتم أيها المحتفون الأوفياء، والسَّلام عليكم.


بقلم: كمال الجزولي



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
"والله الديمقراطية حلوة .." محمد المكي إبراهيم "جدير بالقراءة"
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: منتدى الحصاحيصا العام-
انتقل الى: