الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 مؤسسة السلطة القضائية في السودان (مقال عجيب وجدير جدا)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حسن وراق حسن




مُساهمةموضوع: مؤسسة السلطة القضائية في السودان (مقال عجيب وجدير جدا)   السبت 21 يونيو 2014 - 8:22

لرأي لمزيد من المقالات في منبر الرأي مؤسسة السلطة القضائية في السودان .. بقلم: عشاري أحمد محمود خليل
مؤسسة السلطة القضائية في السودان .. بقلم: عشاري أحمد محمود خليل طباعة أرسل إلى صديق


الخميس, 19 حزيران/يونيو 2014 14:08

ushari@outlook.com

فتظل قوى المعارضة السودانية بأشكالها، بما فيها الإسلامية،والمسلحة، تتجاهل خطر مؤسسة السلطة القضائية على كل مشروع للتغيير السياسي في السودان. خطرها في أنها مؤسسة يمكن كذلك أن تعمل على إجهاض إمكانات هذا التغيير. تماما كما فعلت السلطة القضائية في مصر. حين اجتهدت وجاهدت ليل نهار لتقويض الثورة المصرية. وأسهمت بصورة مقدرة في إنهاء أول حكومة ديمقراطية منتخبة بصورة صحيحة ولما يمض عام على حياتها.
في ذلك هي السلطة القضائية المصرية كانت قدمت إسهامها في المشروع المتكامل للمتحالفين من العسكر والديمقراطيين والعلمانيين وممثلين للأقباط مع الحكومتين الأمريكية والبريطانية. وكلها وقائع ثابتة لا يمكن إنكارها. وجميعهم المتحالفون يعترفون بأدوارهم في تقويض الديمقراطية المصرية. وإن كانوا يظلون يبررون مواقفهم وأفعالهم بحجة الخوف من الإسلاميين ومن الإسلام السياسي ومن التطرف الإسلامي والإرهاب، وبقية الاستعارات الغرضية.
ويجب أن نتذكر دائما مواقف القوى المصرية الديمقراطية واليسارية والعلمانية المنافقة التي صفقت لمذابح العسكر ضد الإسلاميين الفائزين في الانتخابات الصحيحة. والتي حرضت القضاة الفاسدين والعسكر ضد جميع الإسلاميين. فقط لتجد هذه القوى الانتهازية ذات أولئك القضاة والعسكر ينقلبون عليها لاحقا ويذيقونها مر العذاب. ومما لم يكن أصلا مستغربا أو غير متوقع.
فأبين موقفي للقارئ حتى لا تختلط الأمور. فآخر ما أتمناه للسودان أن يكون فيه حكم "إسلامي" من أي نوع. ولا أرى للإسلام أي دور في الحياة السياسية في السودان. غير ما هو متحدر من القيم الإسلامية السامية على مستوى الأشخاص. وأن الحكومة لا شأن لها بالدين، غير أنا نطالب قادتها أن يلتزموا هم بتلك القيم الإسلامية البسيطة التي ترفض الكذب والاحتيال والفساد والتعذيب وتكميم الأصوات والعنصرية والطغيان. والمجتمعات السودانية المتعددة قادرة على تمثل تلك القيم في حياتها اليومية. دونما تدخل أو توجيهات أو نصائح من القادة السياسيين أو من المؤسسات والوزارات الفاشلة (وزارة التخطيط الاجتماعي، والفن الإسلامي، وغيرها).
وفي جميع الأحوال، فالإسلاميون السودانيون من النوعية التي عرفها السودان في ظل حكم الإنقاذ هم نوعية متفردة في سخفها وجهلها وقلة أدبها. وتكفي أفعالهم المادية في حروبهم وميليشياتهم السودانية والأجنبية (جيش الرب) وتمزيقهم للسودان والتفريق بين أهله وإفقارهم للمواطنين وفسادهم المريع. تكفي لتعفيني من رصد فظائعهم، في هذا المقال.
وهذا موقفي من الإسلام في الحكم ومن إسلاميي السودان المتنفذين لا يمنعني من تمثل الصدق والأمانة والنزاهة في تقييم ذلك الذي حدث في مصر. حدث عن طريق المذابح في ميدان رابعة العدوية وميدان النهضة. وفي مساحات مصر العريضة. ضد الإسلاميين المصريين الأبطال. على صدى تصفيق اليساريين والديمقراطيين والعلمانيين، ليس من المصريين فحسب، بل أيضا من السودانيين الذين حسبوا في جهلهم أن اسلاميي مصر هم من ذات طينة إسلاميي الإنقاذ السودانيين.
فمتى ناضل إسلاميو السودان ضد الظلم والقهر والبطش مثلما فعل إسلاميو مصر؟ إسلاميو مصر الذين وقفوا مع الحق وصمدوا أمام الدبابات والمدافع الرشاشة والتقتيل والحرق؟
ومتى كان جاء الإسلاميون في السودان إلى الحكم بانتخابات حرة نزيهة، مثلما فعل إسلاميو مصر؟
ولا يعني فوز الإسلاميين في مصر أن برنامجهم الإسلامي، المرفوض بالنسبة لي، كان سيكون محصنا ضد الانتقاد أو المقاومة بالطرق السلمية وبصناديق الاقتراع.
فأما وقد بينت أنه لا تناقض في موقفي، ألتفت إلى موضوعي الأساس.
فيأتي همي بالمؤسسة القضائية، وهي تسمي نفسها السلطة القضائية، بسبب أني أرى أن تغيير نظام الإنقاذ بقيادة عمر البشير وحكومته لن يأتي بأي تغيير جذري ذي معنى في حياة المواطنين.وكل تغيير سياسي سيفضي في نهاية الأمر إلى تغييرات فوقية في مراتب السلطة على مستوى الوزراء والقيادات. بينما تظل المؤسسات هي ذاتها المؤسسات. لا نعرف عنها إلا القليل. وأحيانا لا نعرف عنها أي شيء.
فانظر إلى فساد تلك مؤسسة الأقطان، مما تعورف عليه بأنه فضيحة بينما هو كان أشد خطرا من الفضيحة. وقد أظهرت تلك "الفضيحة" عدة قضايا معقدة كانت خافية. منها علاقة الحكومة بهذه الشركات. والعلاقة بالشبكات التجارية العالمية. ودور المحامين والقضاة. وغسيل الأموال. وإنشاء الشركات التي تعمل كواجهات وكمحطات لتسهيل الإفساد. وغير ذلك، كثير.
فالنقطة التي أريد إثارتها هي أن التركيز على رئاسة السلطة في عمر البشير وحكومته وقيادات حزب المؤتمر الوطني هذا التركيز ليس في محله. بالرغم من أهمية قيادة السلطة الحاكمة، وفظاعة الأفراد ذاتهم.
وأرى أن نبدأ في التركيز على المؤسسات، ودراستها بصورة انتقادية متعمقة. وأن يتم التخلي عن التعبيرات الاستعارية المتصلة بالإطاحة، وبالهزيمة، وبإنهاء نظام الإنقاذ. فكل تغيير في السودان مهما كان راديكاليا سيكون فيه إسلاميون من ذات حزب المؤتمر الوطني. وهو سيأتون ممثلين وفق حجمهم في كل انتخابات ديمقراطية نزيهة.
وهي قوى المعارضة منصب همها في إنهاء حكم الرئيس عمر البشير بأسرع فرصة. وكلما حدثت أزمة في النظام الحاكم يتم إنتاج خطاب تفاؤلي بقرب النهاية. لكني أرى أن نهاية حكومة عمر البشير يجب أن لا تبقى مناط التفكير الأحادي ولا الأولوية لعمل المعارضة فيما يسمى بالداخل. تمييزا لها أحيانا عن معارضة الحركات المسلحة التي برنامجها أصلا متمثل في دك نظام الإنقاذ من أساسه بقضائيته، وإنشاء نظام أكثر عقلانية في مكانه. مما لن يحدث إلا بانفصال هذه المناطق وتأسيسها دويلاتها الصغيرة.
فمعارضة الداخل، بأحزابها وشرائحها، لا أرى لها أي برنامج ذي بال يمكن أن يعتد به بشأن السلطة القضائية السودانية، ولا بشأن المؤسسات المتكثرة التي تتداخل تقنياتها ووسائلها مع السلطة القضائية.
فالمؤسسات التي تكرس نظام الإنقاذ اليوم ليست من اختراع حكومة عمر البشير الانقلابية. بل هي ذاتها المؤسسات في فترة دكتاتورية الصادق المهدي، وما قبلها. بفسادها، وطغيانها، وبقهرها للمواطن، وباحتيالها عليه، وباستئثار كبار موظفيها وقادتها بريع ذلك فسادها. وكل الذي فعلته حكومة الإنقاذ هو أنها مثلها مثل الحكومات الحزبية والعسكرية السابقة وظفت هذه المؤسسات لصالح جماعاتها الطبقية المتنفذة.
فبتغيير نظام الإنقاذ دون تغيير المؤسسات ذاتها بحيث لا يمكن توظيفها بذات الطريقة التاريخية، هذا التغيير سيكون عبثا إضافيا. وستفيد منه ذات الجماعات الحزبية المتربصة الآن بمقاعد السلطة. ومن ثم، فهي قيادات المعارضة لا تتحدث عن المؤسسات إلا بعموميات، بينما تركز على إنهاء نظام الإنقاذ البغيض لتحتل ذات الكراسي. وأتفق معها على أن نظام عمر البشير نظام بغيض. لكنه مثله مثل الأنظمة التي سبقته وتعاقبت في السيطرة على هذا الوطن المنكوب بالحكام الطغاة يستخدمون الإسلام غطاء لشرههم وهوسهم بالسلطة السياسية كالوسيلة السهلة للإثراء غير المشروع.
فمؤسسة التعليم ستظل على حالها، في سياق تغيير الجالسين على كراسي السلطة الفوقية. وكذا الصحة. ومؤسسة القوات المسلحة ستظل كما هي. والمؤسسة الأمنية ستظل على حالها. ومؤسسة الأراضي. والشرطة والنيابة. وكذا المؤسسة الاقتصادية. وغيرها. و لن نرى أي تغيير جذري في أي منها. وأقصد بالتغيير الجذري ذلك الذي يجعلها مؤسسات تخضع للمحاسبية الشعبية المباشرة. وأن تكون وسائلها وتقنياتها وطرقها متاحة للتعرف عليها. ليتمكن المواطن من العيش، في حياته اليومية، بحرية وبكرامة. في سياق قدرته على التصدي لطغيان هذه المؤسسات ولانحرافها ولسوء استخدامها لسلطتها في تكريس القمع والظلم والفساد.
فنحن جربنا جميع القوى المتصارعة حاليا.وسمعنا خطابها. وعرفنا أفعالها. ولنا معرفة جيدة بتاريخها. بما في ذلك تاريخها الذي تتنصل عنه وتتنكر له وتجتهد في مسحه وتغييبه من المحادثات الدائرة عن التغيير. وهي تريد لنا أن ننساه ذلك تاريخها بحروبه وبفساده وبعنصريته وبظلمه.
فاركز هنا على مؤسسة السلطة القضائية السودانية. لأني أعرفها بما فيه الكفاية لأكتب عنها. فهي الأخطر بين جميع المؤسسات الحكومية. وهي التي لا يعرف المواطن عنها ولا عن طريقة عملها إلا القليل. وحتى ذلك الذي يعتقد المواطن أنه يعرفه عنها يكون أحيانا مجرد أوهام. وهي مؤسسة تحيط جميع أعمالها بالسرية التامة. تعمل في الخفاء. في شكل مجموعات صغيرة من القضاة في مساحة القضائية. ويمتد أثرها إلى المؤسسات الأخرى.

وارى أن القضائية السودانية الراهنة ستلعب ذات دور القضائية المصرية في أي تغيير يحدث في السودان. هذا بالإضافة إلى أنها كمؤسسة ستستمر على حالها. تستعصي على أي تغيير وتجعل من المستحيل إخضاعها للمحاسبية.
فينبغي أن تلتفت قوى المعارضة، بأشكالها وبتياراتها، بما فيها الإسلامية منها، إلى السلطة القضائية في السودان. وأن تضعها كالأولوية للتركيز عليها من بين جميع مؤسسات الإنقاذ الراهنة. فينبغي تفكيكها، بكل معاني التفكيك التي تشمل كذلك التحليل والدراسة والتحقيق. للتعرف على كيفية إنتاجها لذاتها، وكيفية إعمالها لسلطتها في مساحاتها وعبر مساحات المؤسسات الأخرى المتداخلة معها. ومن بعد، لإنشاء سلطة قضائية جديدة تماما. في سياق مشروع تغيير السلطة السياسية والسلطة التشريعية. سلطة قضائية جديدة تعمل وفق أسس للمحاسبية والشفافية الكاملة. نعم الكاملة. قضائية لا مكان فيها لحصانة قضائية مطلقة أو مقيدة للقاضي الثابت فساده. قضائية تخضع للمراقبة الشعبية. من قبل الحركيين والقانونيين والمواطنين المتمكنين. ويفرض عليها أن تنشر جميع قراراتها ليتم إخضاعها للتحليل. قضائية لا يتم فيها عقاب القاضي الفاسد بنقله إلى مدينة بعيدة من الخرطوم أو من مدني أو إلى "منطقة شدة". بل يتم فصله القاضي الفاسد من الخدمة دون معاش ومنعه من العمل كمحام أو في المجال العام. ويتم الإعلان عن فساده حتى لا يخدع آخرين في مجالات أخرى ويحتال عليهم. وهذه الملامح الفردية البسيطة إن هي إلا أعراض حركيات أكثر عمقا في جسد السلطة القضائية وفي علاقات القوى التي تنتجها وتستعمر بها المؤسسات الأخرى وتخضع بها المواطنين لطغيانها وهيمنتها. وما تغيير القوانين إلا تغيير لأدوات السلطة القضائية الراهنة.
فحتى إذا ما انهار حكم عمر البشير غدا، وهو ما لا توجد مؤشرات قوية أنه سيحدث، فإن المواطن السوداني والمعارضة سيجدون أنفسهم وجها لوجه أمام المارد هو السلطة القضائية السودانية. وهي سلطة كذلك تصنع الطغيان والفساد، يوميا، مما لا يحتاج لكثير بيان مني، في هذا الحيز الضيق. فأمرها معروف حتى بالحالات الفردية التي ركز عليها الإعلام.
ونلاحظ أن هذه السلطة القضائية تتصنع المسكنة خلال المنعطفات الخطيرة التي تنذر بالتغيير. لأنها تعرف أن المسكنة تضمن لها أن تستمر كما هي، دون أي تغيير يطالها مثل ما يكون حدث للسلطة السياسية التنفيذية وللسلطة التشريعية. وهي تظل تردد خطابها ذاته المعروف أن القضاء حساس وأنه خط أحمر وأنه ضمانة والنزاهة والتاريخ الناصع إلى غير ذلك من خدع القول.
فالبرلمان سيتم حله، عند حدوث تغيير سياسي جوهري في السودان. والرئيس عمر البشير سيكون وجد خلاصا من بريق السلطة ومن متاعبها وابتعد وانزوى. لا تؤرقه إلا تلك المرأة من دويلة غامبيا، فطومة بنسودا، خليفة أوكامبو. في تلك المحكمة الجنائية الدولية الثابت انحيازها وعدم حيدتها وسيطرة الدول الكبرى عليها. وكثير وزرائه وقيادات الحكومة والحزب سيذهبون غير مأسوف عليهم يعودون متفرغين لتجارتهم المستمرة. كذلك لا يؤرقهم إلا التوجه العالمي لملاحقتهم أينما ذهبوا بغرض تجريدهم من أية أرصدة كانوا استحوذوا عليها بالفساد. وهو أمر ينبغي أن لا تتناساه قيادات المعارضة. بل ينبغي على الشباب أصحاب المال المنهوب أن لا يتركوا قيادات المعارضة الهرمة أن تتناساه.
لكن السلطة القضائية ستبقى على حالها. حتى بعد التغيير السياسي. بذات قضاتها، وتركيبة محاكمها، وقوانينها الداخلية، وتدابيرها، وآلياتها الداخلية المتعددة، وبتمدد سلطتها وقوتها عبر المؤسسات جميعها في الدولة. وسيكون لها ذات المدد المعرفي المرجعي المتمثل في تفسيرات ذات قضاتها للقانون وللسوابق. وكذا للوقائع المتغيرة في مجال الخصومات بين الأفراد، من جهة، وبينهم والموظف العام والمؤسسات، من جهة أخرى. وهي ستسعى إلى تعزيز قوتها وتطوير مزارعها للأبقار ومؤسساتها التجارية. وهي ستمنع الشعب من مراقبة كيفية صرف الموارد التي تستعصرها من الشعب.وهي ستكون تتمسكن متربصة للانقضاض على قوى التغيير. ولمنع التغيير. بذات أدواتها "القانونية" للبطش والقهر.
وهذا هو خطرها. ولنا، كما قلت، في الثورة المصرية عبرة. وقد شهدنا كيف أن السلطة القضائية المصرية الفاسدةانقضت على التجربة الديمقراطية في مصر وصرعتها وجعلتها نسيا منسيا. وكيف أنها كان لها الدور الأكبر في تقويض جميع الآمال التي انعقدت على مآلات الربيع العربي في مصر. وهي التي أعادت حكم العسكر إلى مصر. وهي تحكم بالإعدام على الإسلاميين الفائزين في الانتخابات الصحيحة.
فلا تحسبن أن السلطة القضائية السودانية ستكون متحمسة لأي تغيير سياسي في السودان.
والسودان تغيرت ملامح السلطة وتوزيعها ودورانها فيه. ونحن قد ننسى أن حكم عمر البشير ظل قابضا على الأنفاس عبر ربع قرن من الزمان. والسلطة القضائية طورت أساليبها. والمؤسسات الحكومية كذلك أصبحت أكثر شيطانية. لكن برامج الأحزاب للتغيير لم تتغير. وهي تظل عموميات لم أر في أي منها غير كلام معمم عن السلطة القضائية في السودان. وهي القضائية أخطر من رئاسة الجمهورية ومن البرلمان ومن الوزراء ومن حزب الإنقاذ ومن قوات الدعم السريع ومن حميدتي.
ولن تتمكن أية حكومة منتخبة أو انتقالية مختارة، بعد ذهاب عمر البشير وجماعته من المتنفذين، من إنفاذ أية تغييرات في السودان تكون ذات معنى، في وجود السلطة القضائية الراهنة على حالها. وحالها متمثل في تدابيرها وفي الاستراتيجيات والتكتيكات التي طورتها عبر عقود من السنين. لتكريس ذاتها وطغيانها وتجبرها. ولتمكين قضاتها. ولتمكين الحكام السابقين الذين كانوا عينوها وكفلوا لها استقلاليتها المالية والقضائية في كافة المجالات.استقلاليتها القضائية لتخدم الحزب والتوجه السياسي والطبقات الإسلامية.
وهي هذه السلطة القضائية ستمد يد العون لتكون ذراع الحاكم الجديد في البطش بأعدائه الحقيقيين والمفترضين. وبالمواطنين الفقراء.وستستمر تهدد بالجلد والقطع والصلب والرجم والاستتابة والشنق. دائما، وفق تفسيراتها الغرضية للقانون.وهو قانون متخلف كتبه الإسلاميون في غرف مظلمة، بالاحتيال وبالغش وباستلاب سلطة لم يخولهم لها السودانيون. قانون أرفضه ويرفضه كل مسلم قادر على التفكير وراغب في إعمال العقل. قانون يتحشر في أدق خصوصيات المواطن وفي كيف يفكر في دواخل دماغه. وفي ما يفعله بذاتيته.وهو قانون جبان. ما أن يهوب له ديفيد كاميرون إلا وهو يرتعد فيتخلى عن عقوبة الشنق على الردة.

وعلينا فقط أن نتذكر كيف أن القياديين في النظام الحالي بدأوا يكثرون في خطابهم من الكلام عن القانون، والمحاكم، واحترام القانون، وأنه القضاء سيأخذ طريقه، والموضوع أمام القضاء، والقانون يا حبيبي.وغيرها من الخدع لم تعد تنطلي على أحد. وكأن القضاء مستقل حقا بالمعني الحقيقي للاستقلال. وكأن القضاء نزيه. وكأنه يخضع للمحاسبية. وكأنه ليس هو ذاته القضاء المعتمد للسرية وبرامج الخبث والمكر والاحتيال.
ولنتذكر دائما أن القضاء السوداني هو يد الحاكم اليمنى ويده اليسرى للبطش بالمعارضة.وحتى أجهزة الأمن، في تطورها، أصبحت تعتمد على القضاء لتنفيذ أفعالها التاريخية المعروفة. وحتى الميليشيات أصبحت تستنجد بالقضاء لحمايتها من المدنيين الذين ينتقدونها، بالصدق أو بالكذب، بشأن وسائلها ويسائلونها عن أفعالها. والفاسدون كذلك ينظرون إلى القضاء لينقذهم من الحساب.
وسيظل القضاء يؤدي هذا الدور القمعي بأشكاله المتدرجة، حتى إذا هي المعارضة نجحت وأنهت نظام الحكم القائم في شكل قياداته التشريعية والسياسية التنفيذية.
إننا ننخدع تماما إن لم نفهم أن مؤسسة القضاء أخطر من جهاز الأمن ومن الميليشيات. في تكريس القمع والقهر.

ولمن لا يعلم، من غير القضاة، فإن الفساد القضائي ليس حصرا هو ذلك المركب في الوعي على أنه مرتبط بالرشوة وسرقة أموال الأيتام وترتيب أمور التحكيم بليل. بل هو فساد من نوع جديد. يظل بالرشوة والابتزاز والسمسرة والبيع والشراء. لكن أصله وماديته في النصوص القضائية المكتوبة. مسارح جرائم القضاة. وأسلحتهم الفتاكة المستحدثة. ولهذا السبب فإن القضائية أصبحت لا تنشر في موقعها الشبكي القرارات القضائية الصادرة، حتى تلك التي تصدر من المحكمة العليا. والقضائية لا تقبل أي خطاب ينتقد القضاء. أو القرارات القضائية الصادرة. بينما القضائية ليست إلا تلك هي قراراتها القضائية الصادرة. ومما ذلك بل يحفزنا على إخضاع السلطة القضائية للانتقاد. فإن كانت نزيهة حقا، فما الذي تخشاه؟
وهكذا هو الفساد القضائي يدور. وهكذا تتم صناعته. نصا بعد نص. يوميا. طيلة فترة خدمة القاضي الفاسد. الذي يفصل في حوالي ثلاثمائة قضية في العام. بالكتابة الاحتيالية المتدبرة لنصوص القرارات القضائية. نسجا لها بالانحراف عن القانون، وبالخداع، وبالتدليس. دائما في سياق اتفاق جنائي مع آخرين قضاة ومحامين. ومن ثم، هو تكييفي للفساد القضائي كأفعال تنفذها شبكات تعمل عبر درجات المحاكم.
ومن بعد، تتم التغطية على الاحتيال القضائي. بالتستر الجنائي من قبل قيادات السلطة القضائية، وبإعمال الحصانة القضائية المطلقة للقضاة الفاسدين. وأيضا باستخدام الإرهاب والابتزاز والبلاغات الكيدية ضد المتقاضين الحقانيين يتحدون بالمقاومة بالعلم وبالبينة فساد القضاة. وكذا بالصمت وبالتجاهل. وهما الصمت والتجاهل أقوى أدوات تكريس الفساد القضائي.
ولا يعني هذا أن جميع القضاة فاسدون. فالثابت هو أنه يوجد قضاة في السودان على أعلى درجات الورع والنزاهة. مما سأعرض له. والنزاهة القضائية تتمثل أيضا في النصوص القضائية المكتوبة. وهي ليست أي كلام عن أن هذا القاضي أو ذاك نزيه. فالقاضي النزيه بل يثبت نزاهته في كتابته لنص قراره القضائي. وأنا احصر كل كلام عن فساد السلطة القضائية أو نزاهتها في نصوص القرارات القضائية لا في غيرها. لأن في هذه النصوص البينة المادية لإثبات الفساد أو النزاهة.
فأرى أن المدخل للتعامل مع السلطة القضائية في سياق التغيير السياسي يكون عبر بوابة التصدي للفساد القضائي في النصوص القضائية الصادرة. كشكل من الأشكال الظاهرة لطغيان السلطة القضائية المهددة لأي برنامج للتغيير.
ولن تتمكن السلطة القضائية أن تتعلل بخطاب عن خطر التدخل في شئونها. وهي ليست لها أية شؤون خاصة. فالشأن صاحبه الشعب. والشعب يريد إنهاء الفساد. خاصة الفساد القضائي.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مؤسسة السلطة القضائية في السودان (مقال عجيب وجدير جدا)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: منتدى الحصاحيصا العام-
انتقل الى: