الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 في انتظار القيامة .. بقلم: هاشم كرار

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صداح فاروق وراق




مُساهمةموضوع: في انتظار القيامة .. بقلم: هاشم كرار   الثلاثاء 5 أغسطس 2014 - 9:29

دقّت المزيكا.. ومع أول بيان للعميد البشير، رفع فيه أقلامنا نحن الصحفيين، وجفّف الصحف، وجدتُ نفسي.. عاطلا!

ذلك هو حال الصحفيين، في السودان، في كل مرة تدقُ فيها المارشات العسكرية، في إذاعة أم درمان، أول الصبح (المُليّل). إنهم باستمرار، من أوائل ضحايا الانقلابات، تلك التي تتم- عادة- بليل و.. دبابة!

بعد شهرمن البيان الإنقلابي الأول ( قفل) صاحب الكنتين حسابي، ولم يعد (اللبّاني)يدق بابنا في الفجر، وراح الجزّارُ الذي كان يحييني بصوته الذي ينزُّ دهنا- وأنا على بعد أمتار من جزارته- لا يرد تحيتي وأنا أمامه، إلا من تحت مناخيره، ولا يتخيّر لي، كما كان، من اللحم أطايب ما جاور العظم!

أوليست هذه المعاملة، من الثلاثة، كانت سببا كافيا لأن أتخذ موقفا من الانقلابيين، ومن الانقلاب؟

هكذا، من أول شهر، رحتُ أملأ حلقومي - في سري - بالهتاف: تسقط.. تسقط حكومة (النذير).. تسقط تسقط حكومة «الجبهة»! لكن، مضى أسبوعٌ، ولم تسقط الحكومة، رغم هتافاتي السرية.. مضى أسبوعُ آخر، ولم يعد الجزارُ يردّ على تحيتي إطلاقا، وفي الأسبوع الثالث (قفل) مثل صاحب الكنتين حسابي، وهو يسألني بنبرة خشنة: يا زول إنت (وكان يناديني قبل الانقلاب بالأستاذ الكبير) متين حتخلصنا.. ونتخلص.. نتخلص منك ؟!

- حاااااضر، أخلصك ونص.. قريبا جدا يا.. معلّم!

لم أرد أن أقول له غير ذلك.. كيف أقولُ له (غير)، وبالقرب منه ساطور، وفي يده سكين.. وفي مريلته، وأنفه كل رائحة دموم الدنيا.

أسرعتُ إلى البيت.. وفي ذهني تلتمعُ الفكرة، رحتُ أستعد لتنزيل الفكرة من ذهني إلى الأرض عمليا: اشتريت (فكس) ودهان كافور، وزيت سمسم، وناديت على الولية لتمسّد لي رقبتي. راحت المسكينة تمسّد، وتمسد.. وبين وقت وآخر، كنتُ أطلبُ منها التوقف، ريثما أشوف النتائج: كنتُ أروح أتلفتُ يمينا ويسارا، و...

- لسه.. شويّة في الجانب اليمين!

وتروحُ المسكينة، تمسّد الجانب اليمين.

- كدا كويس؟

- o.k دقيقة..

وأروحُ أتلفت.. وأتلفت، و..

- شويّة هنا كمان..أيواااا.. هنا، هنا.. تحت الفقرة، الله يفتح عليك!

و... بعد يوم كامل من (التمسيد).. تمسيد رقبتي، ابتسمتُ في وجه الولية: كده تمام!

لم تفهم شيئا.

في صبيحة اليوم التالي، نهرتُ سيارتي، إلى المنطقة الصناعية.

- شوف يا معلم.. أدّيها لون أصفر إبن ستين داهية!

أداها المعلم..

وفي اليوم، الذي يليه استلمتها. رميتُ جسدي وراء الدركسون، فتحتُ السويتش، دستُ على البنزين و... ركبتُ الشارع (أتلفت) كما ينبغي، مثل أي سائق تاكسي، في الدنيا، و.. برقبة ممسّدة بالكافور والفكس وزيت السمسم!

- تاكسي.. تاكسي!

و... وقفتُ سريعا جدا، لأشيل أول مشوار في حياتي!

(2)

فتحت الباب، وحمحم جسدُها في المقعد الخلفي، فيما كان عطرُها يصهلُ، وهو يركضُ في شفافية، ليراقص بذيله أنفي!

- دا الشُغل.. دا الشُغل!

هكذا، هتفت حاستان من حواسي الخمس: هتفت أذني وهتف أنفي.. في آن واحد، فيما راحت عيناي الإثنتان معا، تهتفان في مظاهرة صامتة:

عايزين نعاين،

نعاين يرحم والديك..

النظرة الأولى لينا..

والنظرة الثانية عليك!

ارتفع الهتافُ، حتى وصل إلى جمجمتي. تحرك فمي سريعا يصدر أوامره إلى يدي اليمنى، لتتحرك، وتُميِّل المرآة الداخلية، قليلا إلى اليمين.. تحركت ومالت.. ومالت معها دقات قلبي.. ومالت عيناى:

- يارباااااك.. كانت.. كانت.. كانت (قيامة)! كانت أجملُ (شيء) في الخرطوم، في ذلك النهار. كانت أجملُ من أول وآخر يوم- ومابينهما- من أيام الديمقراطية الثالثة.. أجمل، أجمل من أول مظاهرة راحت تتشكل - سريا- ضد نظام (النذير).. كانت.. أووووووف!

بلعتُ ريقي الذي كان قد جمّ.. لم أقل لها (على وين) وأنا أدوس قليلا، قليلا على البنزين.. فقط قلت لها بأدب أول زول يشتغل تكاسي في السودان(أنا حاضر).

- بنزينك كيف؟

هكذا غرد صوتُها بالسؤال..

- يحرق.. روما!

هكذا أجبتُ، سريعا جدا...

كان البنزين، الذي يوزعُ، في إطار نظام حصة أسبوعية، بالملعقة، أندرُ في تلك الأيام من قولة بغمْ.

غردت لهاتها بضحكة، وهي تقولُ لي:

- لأنو أصلو مشاويري كثيرة يا.. يا نيرون!

صفق قلبي، للنباهة..

و... و.. داس نيرون على (الأبنص)، يحرق البنزين أولا إلى.. إلى أم درمان...

- كلية الاحفاد، إذا سمحت!

سمحت و.. نزلت يصهلُ جسدها وعطرُها وصوتها.

- ما أكثر من خمس دقائق... سمح؟!

قفلتُ السويتش ورحتُ أعد في الدقائق بالثواني والثوالث. كانت أطول خمس دقائق في التاريخ.. أخيرا جدا جاءت تصهلُ، يسبقها عطرُها الصهيل!

- خواجية جدا.. في المواعيد.. مش كدة، يا..؟

- إنت مش خواجية وبس.. إنت.. إنت "بغ بن" من روح وقلب وخيال وانضباط، وفهم و... ظرافة كمان!

رمتني بنظرة كبّر لها قلبي، وهلل، قبل أن تفتح الباب ليُحمحم.. من جديد، جسدها.

- أها، بعد كدا، نرجع تاااااني الخرطوم!

و.. فتح نيرون السويتش، بعد أن استعدل المرآة الداخلية، للمرة الثانية: نمرة واحد، نمرة اثنين.. ثلاثة.. أربعة.. و.. أمام كوبري النيل الابيض، في جانب أم درمان أمرتني في لطف، والصوت شرفان:

- عليك الله.. لو سمحت.. دقيقة.. دقيقة!

(بركنتُ) و.. نزلت.. رأيتها تقف تمدّ عينيها المخيفتين إلى النيل الأبيض من فوق الجسر، و والأبيض في اليمين، يسوق أمواجه- موجة من وراء موجة- إلى النيل الأزرق.. رأيتها تقف تمدُ عينيها إلى اليسار حيث يلتقي الأزرق بالأبيض. رأيت في فمها ابتسامة حزينة جدا، وفي عينيها تشهقُ دمعة..

ركبت و..

- هذه أجمل حتة في الدنيا، يا.. يانيرون!

لو لم يكن صوتها في هذه المرة، مشربا بحزن، فيه كل حزن أهل السودان، في ذلك النهار من نهارات الخرطوم، لكنتُ قد قلت عنه أنه كان أشبه بإحساس الشاعر المصري صلاح عبدالصبور، إذ هو يكتبُ في ( ياسمرا).. أنه كان أشبه بكل خلجة من خلجات روح وقلب وملامح المغني سيد خليفة، وصوته أقرب مايكون للوجد والبوح، وهو يغني بكل جوارحه:

" ولا هذي..

ولا تلك..

ولا الدنيا بأجمعها،

تساوي ملتقى النيلين،

في الخرطوم ياسمرا!"

اختلستُ نظرة إليها عبر المرآة، كانت تمسحُ، في تلك اللحظة، دمعة أخرى، انزلقت بسلاسة إلى خدها.. شعرتُ بتلك الدمعة تنزلقُ إلى.. إلى قلبي.. لم أقل شيئا.. قول أي شيء في مثل هذه المواقف، يعتبر بكل المقاييس حماقة.. وليست هنالك من حماقة مضمونة العواقب، على الإطلاق!.

- يللا.. بعد كده عاوزة أمشي (العمارات).

- شارع 64 ؟

رمقت أذني بتغريدة: " وليه شارع 64 ؟!

أظن أن سؤالي أدهشها،

لم أتوقف كثيرا عند حدود الدهشة.. توقفت أكثر، لإغتباطها كلها مثل دعابة، لإجابتي:

- يذكرني دائما بأكتوبر 64..و ( كان أكتوبرُ في أمتنا منذ الأزل)

استعرت في تلك اللحظة، مايشبه صوت وردي، وأنا أمد من شأو صوتي، مدندنا في مهابة، بماهو بين القوسين.

- أنت كارثة!

ردت سريعا، وهى تغمرُ الدنيا كلها بضحكة صافية..ضحكة كانت في صفاء لهاة أم بلينة السنوسي،وصوتها يشب يانعا..slim من بين صوت عثمان مصطفى وخليل اسماعيل، في الملحمة: " وكان القرشي، شهيدنا الأول" لتعقبه مباشرة دمدمة الملحميين" وماااا اتراجعنا"!

شعرتُ بها، من أنفاسها ورائي، تقتربُ من مقعدي. شعرت بصوتها شمسا نايرة:

- لا يانيرون.. ما ح نرجع ورا.. خلينا نمشي لى قدام، نقطع بحور.. شارع 65.. أحسن!

و.. مشيت بها إلى العمارات. يمين.. يسار.. وكمان يمين، و.. معليش أتعبتك معاي.. بس خُد يسار.. كمان يمين، و... بسْ.. ممكن (تضرب بوري)؟ ضربته( تيت تيت) ، ففتحت إمرأة الباب، وجاءت تحملُ شنطة صغيرة. ناولتها الشنطة، احتضنتها، وهي تبكي: خلي بالك من نفسك و...

- يللا.. بعد كده المطار!

أمام صالة المغادرة دستُ على الفرامل(سييييييك).. نزلت و..

- أها.. مع السلامة يا.. الكارثة.. لكن أرجوك أول ما يحاول الناس ديل يركبوا شارعهم بالدقداق، أرجوك.. أرجوك يا نيرون إنك تملأ التنك، وتنتظرني هنا.. سوف أعود في أول طائرة!

قامت (قيامتي) في تلك اللحظة، وألجمتني المفاجأة.

هرولت تحمحمُ كلها.. ثم فجأة إلتفتت، كذكرى حلوة:

- نيرون.. نسيت أن أقول لك إن حسابك في ظرف. في المقعد الخلفي.. باااااى. و.. كان لا يزال في داخل سيارتي بقايا من صهيل عطرها، حين لوحت (البريتش إير) بجناحيها للمطار: باى.. باى!

(3)

... (سييك) فرملتُ بهدوء، (تيييييت) قبل أن أقفل السويتش، ففتحت الولية سريعا جدا الباب.

- دا شنو؟ ضربت عربيتنا أصفر؟

- أصفر داهية، يغبي الأتر!

- لكن والله.. بالغت!

لم أقل لها شيئا، ونحن في خشم الباب. فقط رحت عمليا، أقول لها بلسان حال (الأكياس) كيف أني (بالغت والله).

- يدك معايا- ياولية- لو سمحت!

و.. ناولتها كيسا.. والثاني، وقبل أن تلم أنفاسها التي تدفقت على الأرض، ناولتها الكيس الذي خرجت رجل خروف كااااملة، من أحد جنباته!

- لا، لا.. لا.. إنت اليوم ما ياكا... مابراك!

ابتسمت أقول لها: لا لا، ياولية.... أنا ياني أنا.. قبل أن استرجع سريعا- في ذاكرتي- نهاية الخطابات الغرامية، في كتيب " الرسائل العصرية: الذي كنا نتبادله- سريا- في المرحلة الوسطى، مع بنات الوسطى.. وأردف: أنا أبدا أنا! وضعت الأكياس بصعوبة وهي تلهث، دا فوق دا، ولملمت أنفاسها من تحت آخر كيس، نظرت إليّ من فوق إلى تحت.. ومن تحت إلى فوق، قبل أن تقول:

- وتربة أمي.. واحدة من تلاتة.. إما أنت بقيت حرامي، أو بتبيع بنقو، أو.. أو إنك بقيت مع (الناس ديل)!

(تلفتُ) – يمين يسار، ورا- ليس كما أتلفتُ وأنا راكب الشارع، في سيارتي التي لونها أصفر داهية، قبل أن أقول لها:

- يا وليّة وطّي صوتك.. والله (الناس ديل) يسمعوك يتربسوني في (بيت أشباح)، ويدقوني دق العيش،وتأكلي أنت بس.. قضيم !

تلفتت خائفة.. ولم تقل بغم. حملتُ الأكياس، وأنفاسي تتدفق حبة.. حبة.. نفسْ.. نفسْ على الأرض، و.. دخلت البيت!

تكأكأ العيال: - الله..خروووووف! وراحوا يتقافزون: والله أبونا دا خطير بشكل! التفت إليها:

- يلا يا ولية. «شوْشوي».. ما اصلوا مصارينا ليها أيام وأيام بتهوْهوْ!

- وتربة أمي، ما أخرش ليا كبريتة، ولا بولع لى فحم، وما بشوشو، ولا يضوق أولادي حتّة واحدة من اللحم دا، إلا تورينا من أين لك هذا؟

أخبرتها: قلت ليهو أدّيها أصفر إبن ستين داهية.. (أداها).. و.. ركبت الشارع، اتلفت.

- تاكسي.

و.. وقفت سيييك، وأخذتها في أول مشوار في حياتي.

- قلت شنو؟

انتبهت.أخفيت سريعا ما حدث بيني وبين (القيامة) خوفا من أن تُقوِّم هذه الولية، قيامتي أنا! استدركت أقول لها:

- اقصد، (أخذته) المشوار.. وأخذت تاني، وخلصت الجزار المعفن، و... تنفست الصعداء..

- يللا، يا ست الكل، قومي ولعي النار، وشوشوي!

و.. قامت ست الكل، وهي تردد والله بالغت.. والله بالغت عديييل كدا!

. و.. فيما كنت أنا (منبطحا) على السرير، أهدئ من هوهوة مصاريني السعرانة، إذا بالولية تجييء، وهي تحمل (الفكس) و(الكافور) وزيت السمسم.

- دا شنو يا ولية!

- دا شنو؟ عاوزة أمسد ليك رقبتك!

ضحكت و.. راحت هي تمسد، وتمسد، وتمسد.

- كدا.. أوكي!

- يلا قوم!

- على الشية؟

- شية شنو .. يشوي عضامك.. قوم أركب شارعك، و.. اتلفت!

قمت.. فتحت «السويتش»، دست( شوية) على البنزين، أديتا واحد، اتنين، ورحت أتلفت..

و.. - تاكسي.. تاكسي!

(4)

نجاحك في أي مهنة في هذه الدنيا، هو أن تصير ( شفت) و( تجضما)، ولكي تنجح في مهنة التاكسي، ينبغي عليك أن تحسن التلفُت.. وأن تكون أضانك في خفة يد نشال.. وأن تعرف أقرب الطرق إلى.. روما يا... يانيرون!

بالتمسيد للرقبة، الذي أخذت فيه المدام شهادة دكتوراه، أصبحتُ أجيدُ فن التلفت يمينا ويسارا وأنا سائق.. وبتنظيف أذنىّ الاثنتين من الداخل يوميا، بأعواد الكبريت، أصبحت أذناي الاثنتان أخف من يد نشال في سنار التقاطع، وبركوب الشارع باستمرار، حفظتُ الخرطوم وأم درمان وكرش الفيل والكلاكلات والعزوزاب والفتيحاب والحاج يوسف والدخينات، عن ظهر عين.. شارعا.. شارعا. وزقاقا زقاقا. وعن ظهر تعشيقة، ودقداق، وفرامل.. و.. باتقاني لسرعة رمي الاشارة يمينا، واتقان الدوس على الفرامل بحرفنة، وشفتنة، أصبحت (أقيف.. أقيف) بسرعة فائقة حتى قبل أن يصيح أحدهم، أو تصيح إحداهن.

- تاكسي!

وقفتُ سريعا ، وفتح الباب، ورمى بجسده، في المقعد الخلفي. كان جسده المليان نسبيا، يملأ بدلته السفاري الرمادية اللون.. كان واحدا من المثقفاتية فيما يبدو.. هكذا تقول، نظارته السميكة، ونوعية الكتب التي كان يحملها مع جرائد أجنبية.

- أقفل الراديو لو.. سمحت!

سمحت، غير أنني شاغبته بفتح المسجل، في اللحظة ذاتها التي قفلتُ فيها الراديو!

- والمسجل.. (برضو)!

هكذا قال، ببرود شديد.. أقسمتُ- بيني وبين نفسي- أن أغيظه: فتحتُ فمي ورحت أتثاءب.. انطلقت منه ضحكة بدينة، قبل أن يقول (و.. خشمك برضو)! ابتسمت في سري، وأنا أساله:

- الأخ .. (أخو)؟! جبهجي؟.. من الناس ديل.. ( دقاني)؟!

انتفضت أي حتة فيه، قبل أن ينتفض صوته البدين، يسألني في نبرة ساخرة: - والله أنت خطير بشكل.. بالله كيف اكتشفت دقني السرية؟!

ضحكت أقول له:

- لأنو أصلو إنت أول ما ركبت، رحت تستصدر الأوامر الجمهورية: أقفل.. أقفل.. أقفل!

ضحك كثيرا.. و.. كان ذلك مدخل حوار، بطول المشوار، بدأ بـ (الناس ديل) وامتد إلى (ناس السما التامنة) و( في انتظار القيامة) و( نحن نفعل هذا أتعرفون لماذا؟) وتلك كانت مسرحيتان في أيام نميري، وانتهى بالسؤال الذي قاد إلى جملة من الأسئلة.

- طوّلت تشتغل (تكاسي)؟

- منذ أن تركت المدرسة قبل 30 سنة!

زفر قبل أن يسألني:

- ولم تحاول أن تواصل الدراسة، حتى ولو بالمراسلة؟

- افترض أنني واصلت الدراسة.. واتخرجت.. واشتغلت صحفي مثلا.. ما كنت ح أكون اليوم في الشارع.. عاطل.. بعد البيان الأول!

أراحه حديثي، الذي اشتم فيه رائحة زول معارض.. أراح جسده على المقعد، وراح يسألني..

- الآن.. لا تقرأ شيئا على الاطلاق؟

- شوية جرايد.. وشوية شعر.

برقت عيناه، وانتفض صوته البدين يسألني:

- شعر؟ لمن تقرأ من الشعراء.. مثلا!

- والله، كثيرين.. واحد اسمه مصطفى سند.. الكتيابي، وواحد اسمه.. اسمه.. قل معاي.. اسمه تاج السر الحسن!

لماذا اخترتُ هذه الأسماء- تحديدا ؟.. لست أدري.

شعرتً بعينيه تبرقان أكثر وأكثر.. وهو يسألني:

- بتعرف سند وللا.. وللا تاج السر الحسن؟

- لا.. والله.. لكن بشوف صور سند في الجرايد!

- وتاج السر؟

- لم أر له صورة إطلاقا!

- ماذا تحفظ له من شعر.. تاج السر؟

رحت أقرأ.. وقد تعمّدتُ أن أخطئ، في أبيات شهيرة يغنيها الفنان الكابلي، لتاج السر الحسن: (عندما أعزفُ يا قلبي الأناشيد القديمة..

ويطلُ الفجر في قلبي على أجنح غيمة،

سأغني آخر المقطع للأرض الحميمة..

للظلال الزرق في غابات كينيا والملايو،

لرفاقي في البلاد الأسيوية)

و.. ضحكت أقول: حاجة زى كده.. غايتو!

لدهشتي راح الرجل يصفق، ثم فجأة إنتبه: يمين.. يسار.. يمين تاني.. بس هنا بالله!

نزل وفتح محفظته وناولني خمسين جنيها.. وهو يقول بصوتها المليان:

- هذا قيمة المشوار. ثم.. ناولني مائة جنيه (مرة واحدة كدا) وهو يقول: وهذه المائة مني لك.. لأنني- يا ساذج- أنا دكتور تاج السر الحسن!

ألجمت فمي المفاجأة، غير أنها لم تلجم (أضاني). سمعته يردد بصوته المليان، وهو يخطو بإتجاه بيته، مقطعا من رائعته( آسيا وإفريقيا):

(ياديان فو..

أرضنا للنور والأزهار،

تهفو)!

و... فتح الباب.. دخل،

ودعته باحترام، في سري،

و... أديتا نمرة واحد، اتنين، ولفيت، ركبت الشارع!

(5)

.. و.. لأكثر من عام، ظللتُ أركب الشارع.. أتلفت.. أقف لأشيل مشوار، وأقف لأنزل مشوار.. وفي نهاية كل يوم تمتلئ جيوبي بكميات من الجنيهات، كميات تساوي نصف راتبي الشهري في مهنة البحث عن المتاعب.. وأحيانا تساوي راتبي كله!

أحببت مهنتي الجديدة، أحببتُ أن اشيل من لا أعرفه، وأنزل من عرفته بصورة أو بأخرى، خلال المشوار.. أحببتُ أن أقرأ أفكار الناس. أحببت المتاوقة إلى أحاسيسهم، وأحببتُ اكتشاف الشوارع الخلفية.. في المدينة، وفي عقول وقلوب وأرواح وضمائر البشر!

الاكتشافات كثيرة.. لكن أهم اكتشاف اكتشفته منذ أن ضربتُ سيارتي لون أصفر إبن ستين داهية، هو أن السودانيين (يركبون على طول) دون أن يقرأوا.. دون أن يتبيّنوا.. لو كانوا يقرأون لما ركبوا معي اطلاقا، في سيارتي الصفراء التي ليس مكتوبا في بابيها الأماميين تاكسي الخرطوم!

هذا الاكتشاف قادني إلى فهم، لماذا يسارع السودانيون إلى ركوب الموجة.. أي موجة.. وخاصة ركوب موجة الأنظمة الإنقلابية من دقة المزيكا.. والبيان الأول! -تاكسي.. تاكسي!

و..أقيف..

- المطار بليز..

وفي المطار، عادة يدقُ قلبي( دق.. دق.. دق)، وأنا أستعيد في ذاكرتي، نهاية أول مشوار (شلته) في حياتي.. مشوار (القيامة) تلك التي يصهل جسدها، ويصهل عطرها، وتصهل عيناها.. وتصهل كل حتة فيها!

كنتُ أقفُ، في يوم هبوط (البرتش اير)، حتى إذا ما أقلعت، ولوّحت بجناحها هذا، وجناحها ذاك لمطار الخرطوم: (باى.. باى).. أروحُ أحمّلها تحياتي للقيامة.. ووصيتي: أنا في الانتظار، انتظارك بالمطار، بمجرد ان تزأر شوارع الخرطوم (ياخرطوم ثوري ثوري.. ضد الحكم الدكتاتوري).. أولم توصيني هي: بالله عليك يا نيرون أول ما يحاول الناس ديل ركوب شارعهم بالدقداق، تنتظرني هنا في المطار لنحرق البنزين! بلى.. وصتني.. ومثلي لا يضيع وصية من إمرأة تصهل كلها، بألوان الحديقة!

كنت أقف مع الذكرى، لوقت قد يطول وقد يقصر، وأنا أدندن:

بكرة.. بكرة.. ياما

تقطع شوارع الخرطوم لجاما،

تحطم كل طبلة في خشيما،

وتقول كلاما:

يللا.. يللا يا دقانة،

يللا..

يللا بلا

بلا لمّة.

يللا يللا.. مع السلامة،

وتجي (القيامة)!

و.. و.. (ممكن مشوار يا ابن العم)؟!

وأشيل إبن العم.. وإبن الخال.. وإبن الوسخة، وإبن الناس، وإبن الكـ.... أشيل الشفاتي، والمطيميس، والدريويش، والعاقل والمجينين، والمستهبل، وناس ياعمك، وياود الحلال.. أقفل الراديو.. أشغل المسجل، وافتحُ فمي في كل مشوار، أحرّضُ هذا الراكب أو ذاك على النظام، حتى أسرع بتشكيل جبهة عريضة معارضة، تعجّل بمجييء (القيامة)!

- والله حرام.. حرام والله!

يسألني الراكب: إيه هو الحرام، ياعمك؟

- حكاية الكشوفات الشهرية دي.. كشوفات الطرد من الجيش والوزارات والمؤسسات.. الناس ديه حتعيش كيف.. الناس دي بعد شوية ح تاكل بعضها!

- (والله حرام)!

هكذا يقول أحدهم، وهو يتلفت ثم يسكت..

و- (نزلني هنا بالله) هكذا يقول آخر، بعد أن يتلفت.

أضحك في سري وأقول: هذا الشعب الذي عرف الآن، في عهد البشير كيف يتلفت، أصبح مؤهلا تماما.. لأن يركب الشارع، ويصبح كله سواقين تكاسي!

لدهشتي.. ركبوهو، وليّلوا!

- تاكسي.. تاكسي!

التفتُ هكذا، سريعا جدا.. أشيل وأنزل.. أنزل وأشيل، حتى جاء الوقت الذي أصبحت فيه كل سيارات الخرطوم، سيارات نقل طارئ. الذين جاءوا من الكويت، حوّلوا سياراتهم إلى سيارات نقل طارئ، والذين يحالون شهريا إلى الصالح العام، يحيلون سياراتهم الى نقل طارئ، والموظفون، بعد أن ضاقت بهم المعيشة حولوا سياراتهم إلى نقل طارئ.. الضباط، والتعلمجية، والعساكر، وناس المطافئ، و.. و.. ضاقت بي الوسيعة مرة أخرى!

- يا راجل.. دي شغلانية ما نافعة!

هكذا قالت لي أخيرا الولية- والتي منذ أن ركبت سيارات النقل الطارئ شوارع الخرطوم- لم تعد تمسد لي رقبتي بالفكس والكافور وزيت السمسم!

- شوف ليك طريقة (نتخارج) من البلد دي!

- نتخارج؟! هكذا، هتفتُ فيها، ..

- أيوّه.. نتخارج!.

- نتخارج كيف، وأنا في انتظار (القيامة)؟!

- قيامة شنو يا راجل.. إنت اتهبشت.. جنيت.. مسكتك الإندراوة ؟!

نظرت إلىّ من فوق إلى تحت، ومن تحت إلى فوق،بعينين مرتابتين، قبل أن تبسمل، وتردف:

- هو (القيامة) لمنّ تقوم حتقوم في السودان.. بسْ؟

نظرتُ إليها، وأنا أُحمد ربي أنها لم تفهم شيئا.. لو كانت فهمت لأقامت هى القيامة-قيامتي- أنا، و.. بس!

(اتخارجنا) أنا وهي والعيال..

اتخارجنا بليل..

وكان ليل الخرطوم، مدلهما، لا ينبئ بخيط واحد.. لا ينبئ حتى بخيط من خيوط (الفجرالكاذب)

#

في إجازتي السنوية، كل عام، ما أن أطأ تراب مطار الخرطوم، أروح أسأل أول من ألتقيه: ياابن العم.. ممكن سؤال:

اتفضل!

- القيامة جات؟...

وينظر إلى إبن العم، نظرته إلى مهبوش في الشكينيبة، يروح مني، وهو يتلفت من وقت إلى آخر، يرمقني بنظرة فيها.. فيها إنّ وكل أخواتها!

أروح.. وفي العام الذي يليه، ألقي بذات السؤال لإبن الخال، يرد وهو بين عبسة وبسرة: والله ياخال يامرطب، نحن قيامتنا قوموها الناس ديل، لكن القيامة التانية الإنت قاصدا، أسأل منها الأحسن مننا، الراقدين ليهم زمن، في حمد النيل وأحمد شرفيو.. كرري!

أضحك، وأبكي.. أبكي وأضحك، وإبن العم الذي كنتً قد سألته العام الماضي، يروح ينظرُ إلىّ ذات النظرة، ويرعش شفتيه بثمة تعاويذ، ( مابتغباني) برغم طول المسافة!

كان قد (نقشني) من شكلي أولا، ومن أول حرف من سؤالي، لإبن الخال.

في العام الذي يليه، اقتربت من أحدهم. كان في بدلة سفاري، وعينيه وراء نظارة شمسية، وكانت محركات الطائرة، لا تزال تئز:

- ياجنابو.. ممكن سؤال؟

عرفت كيف أنه جنابو؟ لا يهم.. مايهم- لدهشتي- أنه لم يندهش من كلمة جنابو. إفتر فمه عن مايشبه الهلال:

- اتفضل!

- القيامة جات؟

افتر فمه أكثر، مثل فم من اكتشف قانون الطفو، وهو يقول لي بنبرة،خلخلت كياني كله:

- القيامة لسه ماقامت.. ماقامت لسه من مطار هيثرو، يا أستاذ هاشم كرار!

(فرررررر) طار الجن الذي كان قد تخيّله إبن العم، في جمجمتي، من جمجمتي. نظرتّ إليه مليا.. لم أقل شيئا.. دنقرت أشيل حقيبتي، و... قبل أن أركب البص، إلتفت.. كان لا يزال يتابعني بعينيه، من وراء نظارته الشمسية، وفي فمه، ماكان في فم مامون عوض أبوزيد، حين تم القبض على عبدالخالق محجوب!

بعد أيام-وأنا أحك في رأسي- إكتشفت أن صاحبي- صاحب" ماقامت لسه من مطار هيثرو يا أستاذ هاشم كرار" كان قد تعرف علىّ من صورتي، التي تصاحب، بعض ما أكتبه من الشتات، في واحدة من صحف الخرطوم.

كان هو-هو نفسه- الذي نزع قبل فترة من وصولي السودان،هذه الحكاية التي تحمل عنوان (في انتظار القيامة) من إحدى صفحات الجريدة.. نزعها فيما كانت الجريدة على أهبة الأستعداد، للتحرك باتجاه المطبعة!

-إنعل أبو الصور.. وأبو التصوير، وأبو الكتابة ذاتا!

كنتُ أردد ذلك، بصوت مسموع، وأنا أخرج من أحد مكاتب الأمن.. وكان المارة، يرخون آذانهم الطويلة للشمارات، وينظرون إلىّ، وترتعش شفاههم بالتعويذات التي (مابتغباني)..

رحتً أضحك بصوت عال، وأنا أملأ حلقومي وأفرقه يمين ويسار: ما أكثر أولاد العم في السودان.. العمى اليداقسهم.. كلهم.. وآحد ورا التاني.. وآحد ورا التاني!

***

أيها الناس.. يابجم... ياطير الرهو.. هأنذا الآن لافي في شوارع الخرطوم.. لافى( سورو) من شارع لشارع، من زقاق لزقاف.. من إشارة لى صينية.. لافي أملأ في حلقومي وأفرغه يمين شمال.. شمال يمين.. ورا وقدام.. قدام وورا.. أصنقع أعاين فوق، وأدنقر، وتاني أصنقع.. وأنا.. أنا، ستين مرة قلت ليكم، أنا في إنتظار القيامة.. في إنتظار القيامااااااااااا، ياعالم، يابجم.. ماقتو بتفهموها طايرة
!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
صداح فاروق وراق




مُساهمةموضوع: رد: في انتظار القيامة .. بقلم: هاشم كرار   الثلاثاء 5 أغسطس 2014 - 9:40

عندما يكتب هاشم كرار نعيد البصر كرَتين للشوله وللنقطه ولعلامة التعجب ، فهاشم يصنع من تلك الأدوات وجبه من الكتابه السهله الممتنعه التى تكاد أن تلمسها بتفصيلاتها الحياتية أمامك ، النص أعلاه فى رأيى هو نص يشدَ اليه القارئ حتى علامة التعجب الأخيرة ، وهاشم يتميز بنوع من الواقعية الساخرة فى كتاباته وهى واقعية لأنها حدثت فى الواقع وساخرة لأنها تسخر منه ، أما الجديد فى هذا النص الرمزية الناضحه من قصة القيامة التى سافرت بالبريطانية ، وترقب وصولها  حيثما طاف سائق التاكسى (الحاكى ) بالمطار ، والانتفاضة التى تتشكل الأن فى رحم الشعب ، يا الله القيامه

أستمتعوا يرحمنا ويرحمكم الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
jaldon




مُساهمةموضوع: رد: في انتظار القيامة .. بقلم: هاشم كرار   الثلاثاء 5 أغسطس 2014 - 15:51

زوقك حلو في الاختيا ر شكرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
في انتظار القيامة .. بقلم: هاشم كرار
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: منتدى الحصاحيصا العام-
انتقل الى: