الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 تعقيب على مقال الأستاذ تركي الحمد ( إنها أزمة فكر لا أزمة فعل يا خادم الحرمين)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المحبوب أحمد الأمين




مُساهمةموضوع: تعقيب على مقال الأستاذ تركي الحمد ( إنها أزمة فكر لا أزمة فعل يا خادم الحرمين)   الثلاثاء 30 سبتمبر 2014 - 7:04




وضعت الفأس على أصل الشجرة !!


(وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)
صدق الله العظيم
سعدت، كآلاف القراء، بالمقال الرصين، الذي كتبه الأستاذ تركي الحمد، ونشرته صحيفة العرب اللندنية، في عددها رقم 9651 بالصفحة السادسة، بتاريخ 17/8/2014م. ذلك أنه مقال نادر بين كتابات المثقفين العرب المسلمين. فقد أوضح بجلاء، عمق الأزمة التي نعيشها في كافة بلادنا العربية والإسلامية، حيث نتأذى كل يوم، من مختلف الجماعات الإسلامية المتطرفة، والتي اصبحت تجتاح المدن، والقرى، تقتل الأبرياء، وتسبي النساء، وتحطم المنشآت، وتثير الذعر والخراب، باسم الإسلام !! وحين نهرع الى علمائنا، وأئمة مساجدنا، ووعاظنا، مستنجدين بهم من فظائع ما تفعل بنا “داعش” ، أو ” القاعدة” ، أو غيرها من الجماعات المتطرفة، لا نسمع منهم إدانة لهذه الجماعات، ولا فتاوى ضدها، ولا تحريض للمسلمين عليها !! والسبب في كل ذلك الخذلان، هو ما ذكره الكاتب، من أن فقهاءنا، وعلماءنا، ووعاظ مساجدنا، لا يختلفون في فكرهم، عن فهم هذه الجماعات المتطرفة، وإن قصروا في فعلهم عن منكراتها !! يقول الأستاذ تركي (الأزمة كل الأزمة يا سيدي الكريم تقبع في ذات الفكر، وذات الخطاب، ومفردات الفقه الذي يحمله هؤلاء عبر القرون والسنين، ولا يستطيعون النظر من منظار غيره، ولذلك هم غير قادرين على التصدي لجماعات العنف والتطرف وحزّ الأعناق، لا لكسل أو تكاسل، بل لكون الجميع يشتركون في ذات الفكر وفي ذات المقولات، وينطلقون من ذات الفقه، ويقولون بذات الخطاب، ولذلك كيف يمكن لهم أن يتصدوا لفكر هم أنفسهم يحملون أسسه في دواخلهم، وتلافيف أدمغتهم؟)(صحيفة العرب 17/8/2014م).

الإجتهاد يجب ان يكون في النص:

ولعل جوهر المشكلة هو أن فقهاءنا نقلوا عن السلف، دون تفكير، وقدسوا آراءهم، دون النظر فيها بعمق، رغم اختلاف زماننا، وطاقة، وحاجة، ومشاكل، مجتمعاتنا عن الأمم الماضية .. وعن ذلك قال الأستاذ تركي (مشكلتنا تكمن في فقهنا الذي نستمده من هذا وذاك من سلف عاش أيامه واجتهد مشكورا في استنباط أحكام قدسناها رغم أنها تخص ذاك الزمان ومشكلاته، ولكنها أحكام لا تصلح لزماننا)(المصدر السابق). ومن أخطر ما تناقله علماؤنا عن السلف عبارة ( لا أجتهاد مع النص) التي رددوها كثيراً واتفقوا عليها وكأنها حق مطلق .. وخطورتها أنها قفلت كل السبل للإجتهاد الحقيقي، فما دامت الأحكام التي جاءت بها النصوص باقية كما هي، لا يمكن فهمها بصورة أخرى، فسيظل الناس أسرى لها .. والجماعات المتطرفة، التي تقوم بالقتل اليوم، وتعتبره جهاداً في سبيل الله، تدعم كل أفعالها حتى سبي النساء، واسترقاقهن، وبيعهن، بالنصوص القرآنية ونصوص الحديث النبوي !! ولهذا لا يستطيع الفقهاء معارضتها، ما داموا يرون أن احكام النصوص باقية كما هي، وأن فهمها الأكمل، هو ما تناقله السلف، عن الأصحاب رضوان الله عليهم ..

والحقيقة إن عبارة ( لا اجتهاد مع النص)، والتي تعني أنه لا يجوز الإجتهاد، في أمر وردت فيه آية، أو حديث، ويمكن الاجتهاد فقط فيما لم ينزل فيه نص، عبارة خاطئة من عدة وجوه .. ولكن ابرز هذه الوجوه هو ان الأمور التي لم ينزل الله فيها نصاً من قرآن أو حديث، لا أهمية لها عنده سبحانه وتعالى، فلو كانت مهمة، لأنزل فيها نصاً .. فلماذا نجتهد في أمور عديمة الأهمية عند الله، ونترك الأمور المهمة، التي أنزل فيها الله سبحانه وتعالى النصوص ؟! إن الإجتهاد الحقيقي يجب ان يكون فيما ورد فيه النص، بمعرفة الحكمة وراء النص. فإذا خدم النص غرضه، حتى استنفده، يجب ان يترك العمل به، ويطبق النص القادر على استيعاب حاجة وطاقة المجتمع، في الوقت المعين. ولنضرب لذلك مثالين : أما المثال الأول فهو أيقاف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة فقد جاء في ذلك الأمر :

(فإن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ما أعطيا المؤلفة قلوبهم شيئا من الصدقات ، ولم ينكر أحد من الصحابة رضي الله عنهم ، فإنه روي أنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءوا أبا بكر وسألوه أن يكتب لهم خطا كتابة رسمية بسهامهم ، فأعطاهم ما سألوه ، ثم جاءوا إلى عمر ، وأخبروه بذلك ، فأخذ الخط من أيديهم ومزقه ، وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطيكم ليؤلفكم على الإسلام ، فأما اليوم فقد أعز الله دينه ، فإن ثبتم على الإسلام ، وإلا فليس بيننا وبينكم إلا السيف ، فانصرفوا إلى أبي بكر فأخبروه بما صنع عمر رضي الله عنه … ولم ينكر أبو بكر قوله وفعله )( مجلة البحوث الإسلامية الجزء 29 ص 117). ومعلوم ان حق المؤلفة قلوبهم من الزكاة، وارد في صريح النص القرآني الكريم، قال تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ومع ذلك منعهم عمر رضي الله عنه، لفهمه الحكمة وراء النص، ثم زوال هذه الحكمة، بعد ان قويت شوكة الإسلام.

وأما المثال الثاني، فهو الحديث المشهور، في صحيح البخاري (عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة). فإن الحكمة وراء تحريم التصوير، والتماثيل، والرسومات، هي أن الناس حين كانوا حديثي عهد بالاسلام، يخشى عليهم إذا رأوا التصاوير، الحنين الى عبادة الأصنام، التي اعتادوا عليها زمناً طويلاً .. أما المسلمون اليوم، فإن هذا الأمر لا يقوم في حقهم، بل إذا رأى أحدهم لوحة متقنة، أو نحت لتمثال متقن، أعجبه صنعه، فإنه سيرى فيه قدرة الله، التي وهبت الفنان، هذه المهارة الفذة، ولن تحدثه نفسه بعبادته. ثم ان الصورة أصبحت من ضرورات حياتنا، فلا يخلوا منها بيت، وهنالك الصورة المتحركة في التلفزيون، وفي الكمبيوتر، وفي الجوال والتي نحتاجها في عملنا وفي دراستنا، فلا يصح أن نلغي كل هذا، بسبب الحديث، بدعوى ان أي نص واجب الاتباع، ولا يمكن الإجتهاد فيه.

تطوير التشريع الإسلامي :

يقول الاستاذ تركي (آن أوان التجديد، والخروج من عباءة أصبحت ضيقة علينا، ومعيقة لحركتنا، دون سند من دين أو عقل، بل هو التقليد المميت بخيره وشره. وقانا الله شر الأزمات، ما ظهر منها وما بطن، ولكن لنتذكر دائما أن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. هذا ولله الأمر من قبل ومن بعد، وإليه عاقبة الأمور). وإني إذ أتفق مع الأستاذ تركي، في ان الوقت قد حان لطرح فهم جديد، من الدين، يحل مشاكل عصرنا، أقترح عليه، وعلى القراء، النظر، والتأمل، والبحث الصبور، في ما طرحه المفكر السوداني، الشهيد الأستاذ محمود محمد طه (1909-1985م) فيما أسماه تطوير التشريع الإسلامي. فقد ذكر أن الإسلام كما جاء في القرآن الكريم، وكما بلغه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لم يكن مستوى واحداً، وإنما كان من حيث التشريع مستويين. أحدهما أصل، والآخر فرع، أي أحدهما هو مراد الدين بالاصالة، والثاني مستوى فرعي تنزل عن الأصل، حتى يناسب حاجة المجتمع في القرن السابع الميلادي، والقرون التي تلته مما هي مثله.

أما المستوى الأصل، فقد جاء سائره في القرآن المكي، وقليل من القرآن المدني، الذي نزل في أول العهد بالمدينة، ولهذا سمى الأستاذ محمود القرآن المكي، قرآن الأصول .. وهو الذي طرح مستوى إنسانياً، رفيعاً، يقوم على المسؤولية، ولذلك أعطى الحرية الكاملة، والمساواة التامة، وقرر كرامة الإنسان، من حيث هو إنسان. ولقد ظل النبي الكريم، عليه السلام، يدعو الى هذا المستوى، الأصل، ثلاثة عشر عاماً، هي عمر الدعوة في مكة. ولهذا أكد على حرية الإعتقاد، قال تعالى (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) فأعطى أهل مكة الحق في ان يكفروا ثم يذهبوا موفورين !! ولقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم، وفياً لهذا الأصل، فلم يقاتل في مكة أحداً، ولم يدفع الأذى عن نفسه، ولا عن اصحابه، الذين كان يعذبهم جبابرة قريش، في بطحاء مكة .. وكانت الدعوة بالتي هي أحسن، وكان القرآن المكي، يخاطب ب ” يأيها الناس” ويا ” بني آدم”، ليؤكد الدعوة الإنسانية، التي في ظلها يتساوى البشر، دون تمييز بينهم، بسبب إختلاف أديانهم .. وقد أمر الله تعالى النبي صلى لله عليه وسلم أن يخبر الكفار بقوله (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) .. فهو وان إختلف معهم في العقيدة، يقر لهم بأن ماهم عليه دين، ولا يطلب منهم إلا الاعتراف بدينه، كما اعترف بدينهم !! ولقد استمر هذا المستوى الرفيع، ثلاثة عشر عاماً حتى قامت الحجة على القرشيين، أنهم لا يستحقونه، وهو لا يصلح لهم، بدليل أنهم تآمروا على الرجل، الذي دعاهم بالحسنى ليقتلوه، ويفرقوا دمه بين القبائل، وحين لزمتهم الحجة، بعجزهم عن المستوى الرفيع، نسخ في حقهم، وأحكم فيهم المستوى الثاني-المستوى الفرع من الإسلام، الذي يقوم على الوصاية، ومصادرة الحرية بحد السيف، وقد جاء سائره في القرآن المدني، الذي أسماه الأستاذ محمود قرآن الفروع.. ولقد تدرج هذا الخطاب بالناس، حتى جاء قوله تعالى من سورة براءة (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). جاء في تفسير هذه الآية ( ” فاذا انسلخ الاشهر الحرم ” أي اذا انقضت الأشهر الاربعة التي حرمنا عليكم فيها قتالهم وأجلناهم فيها فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم … قوله ” فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ” أي من الأرض وهذا عام والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم .. قوله ” وخذوهم ” أي وأسروهم إن شئتم قتلاً وان شئتم أسراً قوله ” واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ” أي لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم . بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع وتضطروهم الى القتل او الاسلام ولهذا قال ” فان تابوا واقاموا الصلاة واتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ان الله غفور رحيم ” ولهذا اعتمد الصديق رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وامثالها حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الافعال وهي الدخول في الاسلام والقيام باداء واجباته …

وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال ” أمرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله وان محمداً رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ” الحديث … وهذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك بن مزاحم انها نسخت كل عهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أحد من المشركين وكل عقد وكل مدة وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية لم يبق لأحد المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت براءة وانسلاخ الاشهر الحرم …)(تفسير ابن كثير – الجزء الثاني 317 -318 طبعة دار الحديث القاهرة) . أما أهل الكتاب من يهود ونصارى فقد قال تعالى عنهم (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) جاء في التفسير ( قوله تعالى ” قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين آتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ” … وهذه الآية الكريمة أول الأمر بقتال أهل الكتاب بعد ما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجا واستقامت جزيرة العرب أمر الله رسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى وكان ذلك في سنة تسع … قوله ” حتى يعطوا الجزية ” أي إن لم يسلموا ” عن يد ” أي عن قهر وغلبة ” وهم صاغرون ” أي ذليلون حقيرون مهانون فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغرة أشقياء كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام واذا لقيتم احدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه …) (المصدر السابق ص 332 ). ومن هنا من مستوى الإسلام الفرع، وليس الاصل، قام الجهاد، وتبعته ملحقاته من الاسترقاق، وملك اليمين، وعدم المساواة بين المسلمين وغيرهم، وعدم المساواة بين الرجال والنساء، وكافة صور الوصاية، التي فصل فيها القرآن المدني. وما كان من الممكن أن تقوم أحكام الإسلام الفرع في التطبيق، إلا إذا نسخت الآيات التي يعتمد عليها الإسلام الأصل، ولهذا نسخت آيات الفروع آيات الأصول .. ومن هنا نسخت آية السيف، آيات الإسماح، ونسخت أحكام الوصاية العديدة، أحكام المسؤولية والحرية. وكان هذا النسخ بمثابة تنزل التشريع من الاصل، وهو الحرية، الى الفرع وهو مصادرة الحرية بالسيف، تقديراً لحاجة وطاقة المجتمع، في القرن السابع الميلادي. إذ دعا النبي صلى الله عليه وسلم، على رفعة خلقه، الناس بالتي هي أحسن، فلم يستجيبوا، ودلوا على أنهم دون مستوى تلك المسؤولية، فصودرت عنهم، وأحكم فيهم، ما يتناسب مع ثقافتهم وطاقتهم من الحرب والقتال. ولما كانت أحكام الوصاية التي جاءت في فروع القرآن،والتي قامت عليها الشريعة الإسلامية، لا تناسب طاقة وحاجة مجتمعنا المعاصر، فقد عجز دعاة الشريعة عن تطبيقها، في كل مكان، في وقتنا الحاضر .. ولقد فهم السلف أن النسخ إلغاء دائماً لحكم النص المنسوخ، ولهذا ظنوا أن أحكام الشريعة، القائمة على فروع القرآن باقية الى يوم القيامة !! ونقل عنهم علماؤنا المعاصرون، هذا الفهم الخاطئ، مع أن النسخ إرجاء وليس إلغاء. ولقد كان الاستاذ محمود يسأل الفقهاء : إذا كانت الآيات التي نزلت في أول العهد، وعجز الناس عن تطبيقها، في الماضي، ونسخت سيظل نسخها سرمدياً، فما هي الحكمة من إنزالها ؟! ولم تكن هنالك إجابة . فكان يقول لهم إذن النسخ إرجاء، وليس إلغاء، وإلا أصبح تغيير رأي، وعن ذلك تعالى الله علواً كبيراً.

بعث الأصول :

إن بعث الإسلام، في الوقت الحاضر، ليواجه التطرف والهوس الديني، لا سبيل إليه، إلا ببعث آيات الأصول، التي تمثل أصل الدين الإسلامي، والتي نسخت في الماضي، لأنها كانت أكبر من طاقة المجتمع، وهي تناسب اليوم مجتمعنا تماماً .. فإذا كان التشريع الإسلامي قد منح الناس حق الكفر في مكة، ثم جاء وصادر ذلك بالسيف في المدينة، فإن هذين مستويين من الحكم لا يقومان في نفس الوقت، فالمسلمون لايمكن أن يشرعوا لقتال المشركين وأهل الكتاب، وعدم قتالهم في نفس الوقت .. فإذا إلتزموا بعدم قتال الوثنيين، وأهل الكتاب، ودعوهم بالتي هي أحسن، فقد طبقوا القرآن المكي-قرآن الأصول المنسوخ، شعروا بذلك أو لم يشعروا.. أما إذا دعوا اليوم الى إحكام الجهاد، وقاتلوا غير المسلمين، من وثنيين وأهل الكتاب، فإنهم قد طبقوا القرآن المدني-قرآن الفروع الناسخ، وهذا ما تقوم به داعش و القاعدة، وطالبان، وكافة الجماعات الإسلامية المتطرفة، التي تقتل أي شخص غير مسلم، على أساس أنه كافر، وأي شخص مسلم مخالف لهم في الفهم، على أساس أنه مرتد، وتسبي نساءهم، وتصادر أموالهم، كما فعل المسلمون الأوائل، إستناداً على فروع القرآن.. وعندنا في السودان، قد قامت حكومة الأخوان المسلمين، منذ بداية عهدها، بإعلان الجهاد على جبال النوبة، وجنوب السودان، فقتلت عشرات الآلاف، وشردت مئات الآلاف، مما أدى الى إنفصال الجنوب وتمزيق أوصال الوطن في حروب لا تزال مشتعلة حتى اليوم.

إن تطوير التشريع الإسلامي، ببعث آيات الأصول، التي تحوي المستوى الإنساني من الدين الإسلامي، ليس مجازفة بالرأي الفطير، وإنما إتباع لأرفع ما جاء في ديننا، إمتثالاً لقوله تعالى (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) ولقد شمل التطوير كل أوجه الحياة من إقتصاد، واجتماع، وسياسة، مما ورد تفصيله في مؤلفات الأستاذ محمود محمد طه، والتي تجاوزت الثلاثين كتاباً، والتي يمكن للقارئ الكريم، أن يجدها مع محاضرات وحوارات مسجلة، بصوته، على الإنترنت على موقع الفكرة
WWW.alfikra.org

طريق محمد


ومما أعجبني في مقال الاستاذ تركي قوله (فلسنا سلفيين أو صوفيين أو سنة أو شيعة، بل نحن مسلمون أولا وآخرا وكفى. نبينا محمد، وليس ابن حنبل أو ابن تيمية أو ابن القيم أو ابن عبدالوهاب، نبي الهدى هو محمد بن عبدالله وكفى، و”كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر”، كما قال الإمام مالك بن أنس، وهو يشير إلى قبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم). أما الأستاذ محمود محمد طه، فقد ربط بعث الإسلام في مستوى الأصول، بالتربية .. وجعل إتباع النبي صلى الله عليه وسلم منهاج التربية، التي تفضي بصاحبها، الى كمالات الدين العلى. فقد أصدر كتاباً في مارس عام 1966م اسماه ” طريق محمد”، وجعل شعاره في أول صفحاته ( بتقليد محمد تتوحد الأمة ويتجدد دينها).. وجاء في إهدائه ( الى الراغبين في الله وهم يعلمون، والراغبين عن الله، وهم لا يعلمون .. فما من الله بد ). وعن شخصية النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، جاء ( هذه نفس اكتملت لها عناصر الصحة الداخلية، واتسقت قواها الباطنية، وتحررت من الاوهام، والاباطيل، وسلمت من القلق، والخوف العنصري ، البدائي، الساذج .. ما أحوج بشرية اليوم ، كلها، الى تقليد هذه النفس التي اكتملت لها اسباب الصحة الداخلية ، تقليداً متقناً يفضي بكل رجل، وكل إمرأة ، الى إحراز وحدة ذاته، ونضج فرديته، وتحرير شخصيته، من الاضطراب ، والقلق الذي استشرى في عصرنا الحاضر بصورة كان من نتائجها فساد حياة الرجال والنساء والشبان في جميع أنحاء العالم )( محمود محمد طه-طريق محمد –الطبعة الثالثة ص 16).


الدكتور عمر القراي / حريات



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المحبوب أحمد الأمين




مُساهمةموضوع: رد: تعقيب على مقال الأستاذ تركي الحمد ( إنها أزمة فكر لا أزمة فعل يا خادم الحرمين)   الثلاثاء 30 سبتمبر 2014 - 7:10



إنها أزمة فكر لا أزمة فعل يا خادم الحرمين


مشكلتنا تكمن في فقهنا الذي نستمده من هذا وذاك من سلف عاش أيامه واجتهد مشكورا في استنباط أحكام قدسناها رغم أنها تخص ذاك الزمان ومشكلاته، ولكنها أحكام لا تصلح لزماننا.






كان الغضب والأسى واضحين على مُحيّا الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وهو يوجّه كلماته إلى المشائخ المصطفين حوله على الأرائك، في يوم الجمعة، الأول من أغسطس/آب، وقد ران على رؤوسهم الصمت. كان غضبا حاول الملك الصبور أن يكتمه في صدره، ولكنه لم يستطع إلا أن يُنفّس عن بعضه، فبقاؤه كله في الصدر كاتم للأنفاس، موجع للقلب، ولذلك لم يستطع الملك الشيخ، الذي خبر الأيام وخبرته، إلا أن يتوجه إلى المشائخ من حوله بالقول، وهو يحاول أن يتماسك من فرط ما يُحسّ به من غضب وأسى: “ما أقدر أتكلم الذي في صدري، لأن الذي في صدري أعتقد أنكم أنتم أدرى به، وما يسفطه قلبي ونفسي وأخلاقي ومبدئي إلا شيء أحسه من صغيركم وكبيركم ومشايخكم وهذا هم يسمعون كلهم، وأطلب منهم أن يطردوا الكسل عنهم، ترى فيكم كسل وفيكم صمت، وفيكم أمر ما هو واجب عليكم. واجب عليكم دنياكم ودينكم، دينكم، دينكم. وربي فوق كل شيء”.

فالملك يرى كيف يُختطف الإسلام أمام عينيه، وأمام أعين هؤلاء المشائخ، الذين يُفترض بهم أن يكونوا هم العالمون بحقيقة الدين وجوهره، وبالتالي هم الأقدر على الدفاع عنه وتفنيد حجج مختطفيه، ومقدمي الحل لدولة كانت كريمة معهم، وأغدقت عليهم كل غال ونفيس، ورفعتهم فوق كل الأكتاف والرؤوس.

هؤلاء المشائخ الفضلاء الذين توقع منهم الملك الشيخ فكّ أسر الدين من آسريه ذوي الغايات التي لا تمت للدين بصلة، ومن مُعيدي تفسيره وتأويله، سواء من قبل الانتهازيين والمتسلقين من أصحاب الغايات الخاصة، أو من قبل جهلة لا يفقهون، أو من قبل شباب حلموا بكل جميل في الحياة، وغضبوا حين تحطمت أحلامهم على صخرة واقع لا يرحم، فارتموا في أحضان يأس أخذهم في أحضانه إلى حيث يعلمون ولا يعلمون، فمنهم من رفض الدين جملة وتفصيلا، ومنهم من رمى نفسه في أحضان تنظيمات ظنها حانية، ومنهم من هو تائه لا يدري كيف أصبح وإلى أين المصير.

من هاوية اليأس تلك، استغلهم هؤلاء وأولئك، فغسلوا أدمغتهم بحديث البطولة والجهاد ونعيم الدنيا وجنة الآخرة، بما فيها من ملذات تهفو إليها نفس شاب محروم في دنيا ظالمة شحيحة. والملك يرى عجز هؤلاء المشائخ والعلماء والدعاة عن استيعاب عقول هذه الآلاف المؤلفة من بني وطنه الذين تحولوا إلى مطايا لداعش والقاعدة والنصرة وأنصار شريعة، تنظيمات وتفسيرات ما أنزل الله بها من سلطان، وغيرها من كل ناعق بالجهاد وسفك الدم، وضارب على أوتار غريزة عمياء، وفي النهاية فإن هؤلاء الشباب هم الضحايا، فيما غيرهم من الناعقين يرفلون بالدمقس وبالحرير، يأكلون من الطعام أطيبه وألينه، ومن الشراب أمرأه وأسيغه، ويتزوجون من النساء مثنى وثلاث ورباع، ناهيك عمّا ملكت اليمين، فيما يفقد الشباب أحلامهم وواقعهم معا، فلا أرضا في النهاية أقلتهم، ولا سماء أظلتهم.

أساس الأزمة

يرى الملك وطنه مهددا بجماعات ترفع راية مختومة باسم الله والرسول، وتنطلق في أفعالها من قال الله وقال الرسول، فيما هذا الجمع الغفير من القيمين على دين الله لا يحركون ساكنا، وهم إن فعلوا، لا يُقنعون ولا يكون لكلماتهم أثر، فيما دعاة جهنم وجماعات جحيم الأرض والسماء، تجد آذانا صاغية وأفئدة مائلة إليهم، فهم يبشّرون بنعيم الدنيا وحور الآخرة، فإن فاتتك واحدة فلن تفوتك الثانية، وما عليك إلا أن تقتل أو تُقتل للفوز بإحدى الحسنين، في استغلال لئيم لبشرى جميلة كانت أيام نبي الهدى، فإذا هي اليوم تُحوّل إلى لعنة على المؤمنين الصادقين القابضين على دينهم كما الجمر في الأيدي، بل وعلى البشر أجمعين، فما السبب وأين تكمن العلة؟ يلوم الملك الشيخ هذه الصفوة من المشائخ بالكسل والتقاعس، بل وعدم الجدية في مواجهة من صادروا كلمة الله، واختطفوا راية الرسول، وأصبحوا يهددون وطنهم قبل أي شيء آخر، وأنا على يقين بأنهم سيصبحون على ما فعلوا نادمين في النهاية، ولكن ما نفع الصوت إذا فات الفوت، وما جدوى البكاء على الأطلال حين لا يبقى إلا الأطلال وغربان السوء الناعقة على مآذن البصرة.

من أجل ذلك كان الملك المُنهك بهمّ المسؤولية وعبء السنين، صريحا فيما قال في تلك الجمعة المشهودة من الزمان، ومن أجل ذلك يجب علينا بالتالي أن نكون صرحاء أيضا في تحديد أين تكمن العلة، وكيف يكون العلاج، أو جزء من العلاج، فالوطن على المحك هنا، فإذا ضاع الوطن ضاع كل شيء، ولن تفرّق الخسارة ساعتها بين ملك وشعب، أو أسرة حاكمة وأخرى محكومة، بل ولا تفرق بين كل من دبّ على أرضه وسار على رماله، فالضياع مآل الجميع في هذه الحالة، لا قدر الله، وهو ما عبّر عنه الملك عبدالله بكلماته الفطرية البسيطة، موجها كلامه للحضور بأسى: “وأنا واحد منكم، وفرد منكم، ولا تحسبون إنني قاعد هنا، لو الله لا يقدر بيصير شيء أولهم أنا. أنا على ما فيكم”.

من هذا المنطلق يمكن القول يا خادم الشريفين، إن القضية لا تكمن في تكاسل مشائخنا الأجلاء، والأزمة ليست في تقاعس دعاتنا الفصحاء، والمسألة لا تكمن في عدم الحركة والنشاط، ففتاوى مشائخنا الفضلاء تملأ صفحات الكتب وكافة وسائل الإعلام، والدعاة لدينا، الصالح منهم والطالح، والطامع منهم والطامح، وعلى اختلاف مشاربهم وغاياتهم، يملأون مساجدنا، ومدارسنا، وجامعاتنا، ومراكزنا الصيفية والشتوية، وحلقات الدرس والتحفيظ لدينا، ومؤسسات الدولة، بل وحتى أجهزتنا الأمنية، ودخلوا علينا البيوت من خلال أولادنا وبناتنا، وهم في نشاط لا يكل، ولا توجد قناة تلفزيونية أو إذاعية إلا وتجد لهم فيها نصيب. ليسوا كسالى يا خادم الحرمين، بل هم في غاية النشاط، ولكنه حرث في بحر، ورسم على الرمال، إلا أولئك ممن خطفوا دين محمد عليه الصلاة والسلام، وحوّروا كلمة الله، فأصبح الإسلام في نظر العالم، بل وكما هو مفهوم وممارس من قبل الكثيرين، رديف العنف والدم والخراب، وأصبح شرع الله لا يعني أكثر من حزّ للأعناق، وتقطيع للأطراف، وتمزيق للأجساد بالسياط.

الأزمة كل الأزمة يا سيدي الكريم تقبع في ذات الفكر، وذات الخطاب، ومفردات الفقه الذي يحمله هؤلاء عبر القرون والسنين، ولا يستطيعون النظر من منظار غيره، ولذلك هم غير قادرين على التصدي لجماعات العنف والتطرف وحزّ الأعناق، لا لكسل أو تكاسل، بل لكون الجميع يشتركون في ذات الفكر وفي ذات المقولات، وينطلقون من ذات الفقه، ويقولون بذات الخطاب، ولذلك كيف يمكن لهم أن يتصدوا لفكر هم أنفسهم يحملون أسسه في دواخلهم، وتلافيف أدمغتهم؟ هذا ليس قدحا في مشائخنا الفضلاء، ولا في نواياهم أو مواقفهم أو نقاء عقيدتهم، حاشا لله من ذلك، ولكنه تقرير لواقع فكري كلنا نعيشه، وها هو اليوم يلقي بظلاله الكئيبة علينا، ويُنيخ بكلكله على مستقبلنا، ويقيد حركة وطننا.

في حقيقة الإسلام

يا سيدي الملك الكريم، الأساس الفكري ومنطلقات الخطاب واحدة لدى الجميع، فإن تفرقت بهم سبل الفعل، فإنهم لا يستطيعون الانفكاك من خيوط الخطاب، فمثلا في فتوى صادرة عن هيئة كبار العلماء في المملكة، وموقعة من كبار علماء الدين لدينا (فتوى رقم 21413، في 1/4/1421)، وهي غيض من فيض وما أوردناها هنا إلا كضرب للمثل، يتفق الجميع على القول: “ولهذا أجمع العلماء على تحريم بناء المعابد الكفرية مثل: الكنائس في بلاد المسلمين، وأنه لا يجوز اجتماع قبلتين في بلد واحد من بلاد الإسلام، وألا يكون فيها شيء من شعائر الكفار لا كنائس ولا غيرها، وأجمعوا على وجوب هدم الكنائس وغيرها من المعابد الكفرية إذا أحدثت في أرض الإسلام، ولا تجوز معارضة وليّ الأمر في هدمها بل تجب طاعته”. وفي ذلك أجد تناقضا مع وصية أبي بكر الصديق مثلا، الذي كان يجري راجلا خلف جيش أسامة بن زيد، موصيا بعدم قطع شجرة أو الاعتداء على امرأة أو طفل أو هدم صومعة، أو إيذاء ناسك متعبد فيها. وأين ذلك من فعل عمر بن الخطاب الذي رفض أن يُصلى في كنيسة القيامة وصلى خارجها، كي لا يتخذها المسلمون من بعده مسجدا. لم يهدم الفاروق الكنيسة، بل رضخ لشروط نصارى القدس من أجل الدخول إلى “إيلياء”، ولم يجز حتى تحويلها إلى مسجد، وهو ذات عمر الذي أمر بصرف إعانة ليهودي عجوز كان يتسول في أسواق المدينة لجمع الجزية المستحقة عليه، وقال له: “والله ما أنصفناك، نأخذ منك شابا، ثم نضيعك شيخا”، وهو ذات عمر الذي جعل القبطي المصري يقتص من ابن عمرو بن العاص، أمير مصر وواليها، حين ضرب ابن عمرو القبطي لأن فرسه سبقت فرس “ابن الأكرمين”، في القصة المعروفة، ولا أظن أحدا منا، بل وأجزم أنه لا أحد منا يصل إلى قامة الشيخين في الورع والتقوى وحب الإسلام والمسلمين. وعندما دخل صلاح الدين الأيوبي القدس فاتحا، لم يهدم الكنائس، ولا نحر النصارى أو هجّرهم، بل كان حاميا لهم وراعيا، وهذا هو إسلام نبي الهدى، صلى الله عليه وسلم، الذي مات ودرعه مرهونة عند يهودي، يا سيدي الملك، كما فهموه وكما أفهمه، وليس ما أسموه إسلاما ورفعوا رايته هذه الأيام، من الأوصياء والحراس والتنظيمات، وهو إسلام أجزم بأنه أبعد ما يكون عن حقيقة الإسلام. حديث يطول يا سيدي الملك، ولكن كل ما يهمني هذه الأيام، بل وكل الأيام، هو وطني وبلدي وأهلي، الذي أرى أنه إلى الهاوية يسير، ما لم يتداركنا الله برحمته، ولن يتداركنا الله جلت قدرته برحمته إلا إذا كنا من المستحقين لهذه الرحمة، فالله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

بمثل الفكر والخطاب الديني، ولا أقول الدين، الذي يحمله مشائخنا ودعاتنا، والذي تلخصه الفتوى آنفة الذكر دون ذكر المزيد، فليس المراد فتح باب الجدل والنقاش مع مشائخنا الأجلاء، كيف يمكن لنا أن نردّ على خطاب داعش والقاعدة وجبهة النصرة وأنصار الشريعة، وكل تلك الطفيليات التي انبثقت على هامش الإسلام، وكانت جرثومتها تنمو بيننا وفي ديارنا، ونحن من حضن فكرها وخطابها صغيرا حتى نما، وكانت الدولة خير معين في ذلك في فترة من الفترات، وخاصة من بعد كارثة جهيمان وأفغانستان وحديث الصحوة، فكانت في النهاية وبالا علينا؟ كيف لنا أن نطلب من “مواطنينا” أن يهبّوا لردع مثل هذه الآفات الفكرية التي أسميناها “ضالة”، ونحن من غض الطرف في كثير من الأحيان عن نفي المواطنة عن مواطنينا، فكان منا الكافر والمشرك والزنديق والعلماني والرافضي، وكل ذلك باسم إسلام أجزم بأن محمدا، صلى الله عليه وسلم، منه براء.

بأي منطق وبأي حجة يمكن أن نشجب قتل أناس من أهل القبلة في العراق والشام مثلا، أو تهجير أناس من ديار كانوا فيها لقرون عديدة، وقتلهم لأنهم مختلفون عنا في دينهم، وفيروس كل ذلك نجده كامنا ومختبئا في تلافيف خطابنا؟ بل وكيف لنا أن نتعامل مع عالم نحن بحاجة إليه أكثر مما هو بحاجة إلينا، ونحن نصمهم بالكفر والشرك وأنهم من أصحاب النار وبئس القرار؟ أنت تدعو يا سيدي الملك إلى حوار بين الأديان، وهي دعوة مخلصة وجميلة ونابعة من قلب فطري، والفطرة هي أساس الإسلام، رغم أني أرى أن التعايش بين الأديان هو الأهم، فعش ودع غيرك يعيش، فكيف يمكن يا سيدي أن تتحاور مع من يقول من مشائخنا بصريح العبارة أنهم كفرة ولن يُقبل منهم عمل، ومآلهم الدرك الأسفل من النار، في الوقت الذي يقول فيه رب الكون والناس أجمعين: “إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” (البقرة، 62)، أم أننا أصبحنا، لا قدر الله، ممن ينطبق عليهم قول الحق جلت قدرته: “ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ” (البقرة، 74). أجل يا سيدي الملك، لقد أصبح الكثير منا، إلا من رحم ربي، ينطبق عليهم قول الجليل: “فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ” (البقرة، 79).

أحكام لا تصلح لزماننا

سيدي الملك الكريم، لا شك في أن ربنا هو الله الواحد الأحد سبحانه وتعالى، وديننا هو الإسلام، ونبينا هو محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلم، ولا يُماري في ذلك أحد، فلسنا سلفيين أو صوفيين أو سنة أو شيعة، بل نحن مسلمون أولا وآخرا وكفى. نبينا محمد، وليس ابن حنبل أو ابن تيمية أو ابن القيم أو ابن عبدالوهاب، نبي الهدى هو محمد بن عبدالله وكفى، و”كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر”، كما قال الإمام مالك بن أنس، وهو يشير إلى قبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. مشكلتنا التي أوردتنا المهالك يا ملك القلوب تكمن في خطابنا الثقافي الذي لا يتناسب مع معطيات العصر وتغيراته وعلاقات البشر مع بعضهم البعض فيه. ومشكلتنا تكمن في فقهنا الذي نستمده من هذا وذاك من سلف عاش أيامه واجتهد مشكورا في استنباط أحكام قدسناها رغم أنها تخص ذاك الزمان ومشكلاته، ولكنها أحكام لا تصلح لزماننا. نحن اليوم نعيش في دولة حديثة ذات مؤسسات قادرة على سنّ قوانينها وأحكامها من خلال مؤسسات قادرة على تلمس مشكلاتنا المعيشة، ووضع القوانين المناسبة لتنظيم العلاقة بين قاطني الدولة، وبين ذات الدولة وبقية دول العالم، دون تصنيف أو فرز وفق أسس وضعها سلف نجلّهم ونحترمهم ونستفيد من تجاربهم، ولكنهم ليسوا بأوصياء علينا، ولا نتلمس الحلول من فكرهم، بل نتلمّسه من ظروف الإنسان في هذا الزمان، وإلا تحول القول بالسلفية إلى نوع من عبادة الأسلاف والعياذ بالله، وهذا دين يختلف عن دين الإسلام، الذي هو دين فطري بسيط فهمه الأعرابي البسيط في صحراء الجزيرة وتعبّد به، دون حاجة إلى وسيط أو وسيلة خارج الذات، فالله موجود في كل مكان، وهو معنا في كل حين، وإلا تحولنا إلى ما حذرنا منه خالق الخلق وهو يقول في محكم كتابه: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ” (البقرة، 170). السلفية الناجحة والقادرة على إخراجنا من مأزقنا الحضاري هي ما يمكن أن نسميه “سلفية المنهج”، وليست سلفية المُنتج، ووفق هذه السلفية، إن كان لنا أن نسميها سلفية، قام العلم الحديث الذي على أساسه قامت حضارة الإنسان في هذا الزمان. نستفيد من منهج هذا وذاك في الوصول إلى الأحكام مثلا، دون تقديس أو القول بعصمة ليست إلا لنبيّ مرسل، ولكننا لا نقدس الأحكام المنتجة ونجعلها حكما علينا ومحددا لحلول مشكلاتنا.

ميزة دين الإسلام يا سيدي الملك هي أنه دين لا يعترف بالكهنوت والكهنوتية وطبقة خاصة من رجال الدين، بل إنه يمقت ذلك ويأمر بالحذر مما وقعت فيه الأديان السابقة في هذا الأمر. وميزة الإسلام يا سيدي، تلك الميزة التي انتشر من خلالها وساد حضاريا في فترة من الفترات، هي أن قائمة محرماته قليلة، بل نكاد نعدها على أصابع اليد الواحدة، وكل ما عدا ذلك فإن الأصل فيه الإباحة، ولكن هناك من يريد، بل وجعله واقعا، من أن يكون الإسلام دينا كهنوتيا له رهبانه وأحباره وبطاركته، ومن أجل ذلك اختطف الإسلام، سواء من قبل تلك الجماعات التي أصبح دينها قائما على حز الرقاب وسفك الدماء، أو على يد أفراد جعلوا من أنفسهم أوصياء على دين تعهد صاحبه بأنه له من الحافظين حتى يوم يُبعثون، فكانوا له أيضا من الخاطفين، حتى وهم لا يشعرون، أو كان ذلك بنيّة طيبة، فغابت سماحة الدين، وغابت قيمه السامية التي أرادها الحق لخلقه من البشر أجمعين، دون فرز أو تصنيف جعل من البشر أعداء، وجعل من الكثير منا رسل خوف وعنف ودمار لكل ما هو إنساني، رغم أن خالق الجميع يقول: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (الحجرات، 13). خلقنا الله شعوبا وقبائل، أي أن تعدد الجماعات واختلافها أمر فطري أراده رب السماوات والأرض. وخلق الله تلك الشعوب والقبائل لتتعارفوا لا لتتناحروا أو تتقاتلوا. وأكرمكم عند الله أتقاكم، لا أعنفكم أو أكثركم سفكا للدماء، ولب التقوى هو ليّن العريكة وحسن الخلق، ولنا في المصطفى الأمين أسوة حسنة، وهو الذي وصفه الرحمن بقوله: “وإنك لعلى خلق عظيم”.

وطننا اليوم يمر بأزمة وجود حقيقة، فهناك من المشكلات والأزمات الشيء الكثير، وهي مشكلات وأزمات صنعنا الكثير منها بأيدينا ونحن عن عواقبها غافلون، ولكن وكما خلقت في الماضي بأيدينا، فإنه لا يزال في أيدينا مفاتيح الحل أيضا، قبل أن يفوت أوان الحل، ويضيع الصوت مع فوات الفوت. الدولة السعودية الأولى يا سيدي الكريم قامت في شرعيتها السياسية على أساس دعوة طهرانية دينية، هي دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في القرن الثامن عشر الميلادي، وأهم ما في هذه الدعوة ليس ما قالت به، رغم أهميته للمسلمين في ذاك الزمان، بل في كونها دعوة “تجديدية “، وفي مفهوم “التجديد ” يكمن الحل لكل حل. شرعية الدولة السعودية قائمة إذن على التجديد، وإلا فإن دين الإسلام لكل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وليس لجماعة من المسلمين دون جماعة أخرى أو على حسابها، وقد قال نبي الرحمة، صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح عن أبي هريرة: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”، وقد آن أوان التجديد يا سيدي الملك.. آن أوان التجديد، والخروج من عباءة أصبحت ضيقة علينا، ومعيقة لحركتنا، دون سند من دين أو عقل، بل هو التقليد المميت بخيره وشره. وقانا الله شر الأزمات، ما ظهر منها وما بطن، ولكن لنتذكر دائما أن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. هذا ولله الأمر من قبل ومن بعد، وإليه عاقبة الأمور.


تركي الحمد / العرب اللندنية





http://alarab.co.uk/m/?id=30625



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تعقيب على مقال الأستاذ تركي الحمد ( إنها أزمة فكر لا أزمة فعل يا خادم الحرمين)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: منتدى الحصاحيصا العام-
انتقل الى: