الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 الثورة الدينية عند الدكتور أحمد عبد المعطي حجازي والاستاذ محمود محمد طه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المحبوب أحمد الأمين




مُساهمةموضوع: الثورة الدينية عند الدكتور أحمد عبد المعطي حجازي والاستاذ محمود محمد طه    الثلاثاء 24 مارس 2015 - 8:33




كتب الدكتور أحمد عبد المعطي حجازي (( نعم نحتاج لثورة دينية  ! )).
المصدر : جريدة حريات بتاريخ 2015/03/23


نعم نحن فى أشد الحاجة إلى الثورة الدينية التى طالب بها رئيس الجمهورية فى احتفاله مع علماء الدين بالمولد النبوى يوم الخميس الأسبق. وقد استخدم السيد الرئيس فى حديثه مع هؤلاء السادة لغة قوية منذرة عبر فيها عن خطورة ما نحن فيه، وخطورة ما نحتاج إليه، وأعتبر الثورة الدينية مطلبا عاجلا ملحا نكون به، ولا نكون بغيره فى الدنيا، ويحاسبنا الله على موقفنا منه واستجابتنا له أو عدم استجابتنا يوم الحساب. هكذا وجه خطابه للدكتور أحمد الطيب، ولمن معه من رجال الأزهر وأعضاء مجمع البحوث الإسلامية فقال لهم: والله لأحاججكم يوم القيامة، فقد أبرأت ذمتى أمام الله ـ أى أشكوكم له وأقارعكم أمامه الحجة بالحجة ـ لأنه لا يمكن أن يكون هناك دين يتصادم مع الدنيا كلها. ونحن نرى أن رئيس الجمهورية لم يبالغ، فيما قال، ولم يستخدم كلمة زائدة، ولم يضع كلمة فى غير محلها، فالإسلام، كما يقدمه الذين يزعمون أنهم يدعون إليه ويجاهدون فى سبيله يتصادم الآن مع الدنيا كلها، يتصادم معنا، ومع غيرنا، مع الشرق والغرب، مع الأمة ومع الدولة، ومع السياسة والاقتصاد، ومع الأدب والفن، ومع المرأة والرجل.

الإسلام كما يقدمه هؤلاء، أو أكثرهم، وكما يلقنونه طلابهم ويرفعون به أصواتهم فى المساجد والزوايا، وحتى فى الصحف القومية يتعارض مع المبادئ الدستورية، ومع المواثيق الدولية، ومع ثوابت العلم، ومع حقائق التاريخ، ومع حقوق الإنسان. ولننظر فى الكتب المقررة على طلاب الأزهر، ولننظر فى هذه الحرب التترية المعلنة علينا من كل الجهات فى الداخل والخارج، من الإخوان فى مصر وغزة وليبيا وقطر وتركيا إلى داعش فى سوريا والعراق، ومن بوكو حرام فى نيجيريا والكاميرون إلى طالبان والقاعدة فى أفغانستان وباكستان.وفى مواجهة هؤلاء جميعا خرج ملايين المصريين فى الثلاثين من يونيو يسقطون دولة الإخوان الإرهابيين ويعلنون أن الاسلام دين لا دولة، لأن الدين لله، والدولة للجميع. وهو مصحف لا سيف ولا خنجر ولا قنبلة ولا صاروخ.

هذه الملايين التى أنقذت مصر مما كان يراد بها أنقذت العالم كله، وأنقذت الإسلام، لأنها رفضت أن يكون الإسلام اغتصابا للسلطة وانفرادا بها، ورفضت أن يكون استعبادا للمسلمين واضطهادا للمسيحيين، ورفضت أن يكون صداما مع العصر والعقل ومأوى للجهل والخرافة وسندا للعبودية والطغيان، وإذن فالملايين التى خرجت فى الثلاثين من يونيو تطالب باسلام آخر غير إسلام الإخوان والقاعدة وداعش وبوكو حرام إسلام استفتت فيه قلبها، وعرفته بفطرتها النقية، وتلقته من مصادره دون وسيط ـ هذه الملايين هى التى بدأت الثورة الدينية، وهى التى يجب أن نتعلم الاسلام منها، فحيث تكون الفطرة النقية يكون الاسلام، وحيث تكون الديمقراطية يكون الإسلام، وحيث تتحقق المصلحة العامة يتحقق الاسلام الذى آن له أن يتحرر من قبضة المتاجرين المنتفعين به، ويعود لقلوب المؤمنين، وتلك هى الثورة الدينية التى دعا لها عبد الفتاح السيسى باســــــــــــــــــــم الثورة التى انحاز لها ووقف إلى جانبها فى الثلاثين من يونيو، فانتصرت وحملته إلى رئاسة الجمهوريـــة.

ولقد بدأ السيسى، فتبنى الدعوة إلى تجديد الخطاب الدينى، لكنه أدرك أخيرا أن ما نحتاج إليه ليس مجرد خطاب جديد، وإنما نحتاج لأصول جديدة نعرفها بالعقل قبل النقل ونقيمها على أساس من المقاصد والغايات، ونحترم فيها قانون التطور، ونلبى فيها مطالب البشر التى تتغير من مكان لآخر ومن زمان لزمان. أى نحتاج لثورة نخلص فيها الاسلام مما الحقته به قرون التخلف وعصور الطغيان وأساطير الأولين والآخرين.

ولقد يخلط البعض بين تجديد الخطاب الدينى والثورة الدينية، ويظن أن الثورة ليست إلا مرادفا للخطاب الدينى الجديد، فمن واجبنا أن نتوقف أمامهما، ونعرف الفرق بينهما لنعرف ما الذى يجب أن نثور عليه فى فهمنا للدين، وما يجب أن تجتهد فيه ونضيفه ونتمسك به. ونحن نعرف أن الإسلام لا توجد فيه سلطة دينية ـ نظريا على الأقل! ـ وأن الاجتهاد فى فهمه ليس احتكارا لفئة أو جماعة، وإنما هو حق لكل مسلم وساحة مفتوحة لاصحاب الرأى جميعا لا يمنع فيها أحد من التعبير عن رأيه، ولا يدعى أحد لنفسه امتيازا يعطيه الحق فى أن يفرض رأيه على غيره، لكنى نظرت، فيما علق به بعض رجال الأزهر على كلام رئيس الجمهورية، فوجدت رغبة صريحة فى تحويل الثورة الدينية المطلوبة إلى تكليف رسمى ينهضون به وحدهم، فيشكلون اللجان، ويعقدون الاجتماعات، ويدلون بالتصريحات، وتمر الشهور والسنوات، ونصاب بالملل، وننسى ما نحتاج إليه، ونيأس من تحقيقه، ثم لا نستطيع أن نحاسبهم، لأننا وقد سلمنا بأنهم وحدهم المختصون المؤهلون للكلام باسم الإسلام نعطيهم الحصانة التى تجعلهم فوق النقد والمساءلة، فضلا عن أن علاقة الازهر التاريخية بالسلطة تعطيه، وتعطى رجاله هذه الحصانة.

ولا يستطيع أحد أن يجادل فى الدور التاريخى الذى أداه الأزهر فى احتضان الثقافة العربية الاسلامية والدفاع عنها. ولا يستطيع أحد أن يجادل فى أننا نحتاج لمرجع دينى نثق فيه ونطمئن إليه، ولاشك فى أننا ننتظر من رجال الازهر أن يكونوا هذا المرجع المأمول، وأن يكون لهم الدور الأول فى هذه الثورة الدينية، التى أصبحت بالنسبة لنا مسألة حياة أو موت، وأن ينهضوا بما لم ينهضوا به من قبل رغم أنهم كانوا مؤهلين بالأمس، كما هم مؤهلون اليوم، لكننا لا نتحدث عن حاجتنا لدروس أو فتاوى، وإنما نتحدث عن ثورة دينية، وعن أئمة مفكرين مجتهدين يواصلون السير فى طريق محمد عبده ويصلون بنا إلى غايتها، فليس يكفى أن يكونوا مختصين فى علوم الدين، بل لابد أيضا أن يكون لهم اتصال بعلوم الدنيا ومعرفة بحقائق العصر ومطالب أهله التى هى مطالب كل البشر لا يختلف فى حاجتهم إليها المسلمون عن غير المسلمين، ولأن الثورة الدينية هى مطلب الجميع، فلابد أن يشارك فيها الجميع.

ولقد رأينا أن ما قدمه غير المختصين فى الثقافة الإسلامية، وفى الدعوة للاجتهاد لا يقل عما قدمه المختصون، محمد فريد وجدى الذى لم يتعلم فى الأزهر قدم الكثير للإسلام وللفكر الإسلامى، وكذلك عبد الرزاق السنهورى، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد سعيد العشماوى، وحسين أحمد أمين، وطه إبراهيم، ورشاد سلام، ولو قارنا بين ما قدمه هؤلاء فى نقد الخطاب الدينى والدعوة للثورة، وما قدمه رجال الأزهر لرجحت كفة هؤلاء.
وسوف أواصل.
…………………………

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المحبوب أحمد الأمين




مُساهمةموضوع: رد: الثورة الدينية عند الدكتور أحمد عبد المعطي حجازي والاستاذ محمود محمد طه    الثلاثاء 24 مارس 2015 - 8:37





الثورة الدينية.. أو الانقراض!


أواصل الكتابة عن الثورة الدينية التى ختمت حديثى عنها يوم الأربعاء الماضى بأنها آتية لا ريب فيها. لماذا أؤكد أن هذه الثورة قادمة ولا يخالجنى فى ذلك أى شك أو ارتياب؟ وأنا أبدأ الإجابة على هذا السؤال فأقول إن حياتنا التى ركدت قرونا طويلة كانت انحطاطا شاملا فى كل مجال، فحالها لا ينصلح إذا غيرنا أوضاعنا فى مجال وتركناها كما هى فى مجال آخر. وقد ثرنا فى الخامس والعشرين من يناير فأسقطنا نظام يوليو الذى رزحنا تحته ستة عقود. ولأن دولة الإخوان كانت استمرارا بلحية للنظام الساقط ثرنا عليها فى يونيو ـ وأسقطناها. ولأن دولة الإخوان لم تأت من فراغ، وإنما جاء بها الطغيان، والأمية، والجوع، والفساد فلابد أن تستمر الثورة لنخلص أيدينا وأعناقنا ورءوسنا من هذه الأغلال. وإذن فالثورة الدينية آتية لا ريب فيها.والثورة الدينية آتية لا ريب فيها لأن ثقافتنا عامة ـ وثقافتنا الدينية خاصة ثقافة متخلفة تتعارض مع الثورة السياسية التى قمنا بها ولا تتفق مع مطالب العصر الذى نعيش فيه.نحن نعيش فى عصر الجماعة الوطنية، والدولة المدنية، والنظم الديمقراطية، والمواطنة، وحقوق الإنسان. ومؤسساتنا الدينية والمشتغلون بها والقائمون عليها يعيشون فى عصر الدولة الدينية، والتمييز الديني، والسمع والطاعة، والتحريم والتحليل.

يتحدثون عما يسمونه الأمة الإسلامية، كأن الدين لايزال هو الرابطة الوحيدة التى تربط بين أفراد الجماعة. وكأن المصالح المشتركة، والتاريخ المشترك، والثقافة القومية لا مكان لها ولا اعتبار. وكأن الذى يجمع بين المسلم المصرى والمسلم البنجالى والمسلم النيجيرى أقوى وأهم وأنفع من الذى يجمع بين المسلم المصرى والمسيحى المصري. وكأن المصريين ليسوا أمة وإنما هم طائفتان منفصلتان. هذا المفهوم المتخلف للأمة مازال شائعا ليس فقط فى الكتابات والخطب الدينية التى تلقى فى المناسبات، بل حتى فى الدستور الذى صدر قبل عامين اثنين وجاء فى مادته الأولى أن «الشعب المصرى جزء من الأمتين العربية والإسلامية». ولقد يظن البعض أن هذه عبارات تتسع لأكثر من تفسير، وأن الكلام عن أمة اسلامية لا يعنى أكثر من تأكيد الرابطة التى تجمع بين مختلف الأمم الإسلامية. غير أن بعض الظن إثم. لأن هذه العبارات المضللة لم تسمح فقط للإخوان الذين صدر هذا الدستور وهم فى السلطة بأن يفتحوا أبوابنا على مصاريعها للإرهابيين القادمين إلينا من أنحاء العالم، بل سمحت لهم كذلك بالتفكير فى التنازل عن سيناء لحماس وعن حلايب للأخ البشير ؟

المصريون ليسوا جزءا من أمة، وإنما هم أمة مكتملة، وربما كانوا أقدم أمة فى التاريخ. هذه الأمة تربطها بالأمم العربية والاسلامية روابط قوية تصلح لأن تزداد قوة فى المستقبل، دون أن نكون مضطرين لإنكار أننا أمة مكتملة، وأن العواطف والمصالح التى تربط بيننا نحن المصريين على اختلاف عقائدنا الدينية هى أقوى بما لا يقاس مما يربط بيننا وبين أى جماعة أخري. فإذا كان علماء الدين والمشتغلون بشئونه لايزالون يتبنون هذا المفهوم الدينى المتخلف للأمة ،فمن المنطقى أن يتبنوا المفهوم المتخلف للدولة. الدولة عندهم ليست دولة وطنية وليست دولة مدنية، وإنما هى دولة دينية تستمد قوانينها من الشريعة وتسمح للجماعات الدينية بأن تتحول إلى أحزاب سياسية، وأن تصل بالتالى إلى السلطة رغم وجود نص فى الدستور الجديد يمنع ذلك. ولقد كنا ننتظر من مؤسساتنا الدينية أن تراجع مواقفها السابقة من مسألة الخلافة، وأن تصدر بيانا أو فتوى تغلق به هذا الباب الذى يدخل منه الإرهابيون، وتقول للمسلمين، أن الخلافة ليست ركنا من أركان الدين، وليست حاجة من حاجات العصر الذى نعيش فيه، بل هى نظام سياسى كان يصلح للعصور الوسطى، وقد حلت محله الدولة الوطنية فى العصور الحديثة. لكن هذه الفتوى لم تصدر حتى الآن. بل نحن نرى أن مؤسساتنا الدينية تبتعد عن العصور الحديثة بقدر مانحتاجه نحن لاقتراب منها، وأنها تتراجع للوراء بقدر حاجتنا لأن تتقدم إلى الأمام. ونحن نقرأ الآن ماينشر عن البرامج المقررة على طلاب المعاهد الأزهرية، وعن الوهابيين والإخوان والسلفيين الذين أصبح لهم ممثلون فى هيئة كبار العلماء، وفى مجمع البحوث الإسلامية، وفى الجامعة الأزهرية فيزداد شعورنا بالحاجة الى ثورة دينية نتحرر بها ونحرر الاسلام مما فرضته عليه العصور الوسطى من أفكار ونظم وقناعات فى السياسة والثقافة والمجتمع.

العصور الوسطى التى تأخذ ديننا من فقهائها ومفسريها ومحدثيها لاتعرف شيئاً اسمه الديمقراطية، ولاتعرف شيئاً اسمه المواطنة، ولاتعرف حرية التفكير والتعبير والاعتقاد، ولاتعرف المساواة بين الرجل والمرأة، ولاتعرف حقوق المواطن ولاحقوق الإنسان، وقد أخذت الأمم المتقدمة تتحرر من هذه العصور الوسطى وتخرج من نظمها وأفكارها وثقافتها منذ خمسة قرون أوأكثر، ونحن لانزال نتخبط فى ظلماتها، لأن بلادنا كانت طوال القرون التى تحررت فيها الشعوب الأخرى وتقدمت خاضعة للمماليك والاتراك الذين حكمونا بالسيف وبالسوط وبالدين، وفرضوا علينا تخلفهم، وحولونا إلى رقيق أرض نزرع لهم ونحصد لهم. وفى الوقت الذى أنتقل فيه الاوروبيون من العصور الوسطى الى عصر النهضة، ومن عصر النهضة الى عصر الاستنارة، ومنه إلى العصور الحديثة ظللنا نحن إلى اليوم نعيش بفكرنا الدينى فى القرن الثالث عشر، وإن كنا نعيش بأجسادنا وحدها فى القرن الحادى والعشرين. نحن نعيش فى هذا العصر دون أن نصبح جزءا منه ودون أن ننتمى إليه.

نستخدم مايكتشفه غيرنا من طاقات، ونستهلك ماينتجونه من أجهزة وأدوات، لكننا نفكر بالطريقة التى كان أسلافنا يفكرون بها فى العصور الماضية. والوضع الذى يجسد هذه الحقيقة ويرمز لها هو وضع المهاجرين العرب فى المجتمعات الأوروبية. يعيشون معها دون أن يندمجوا فيها ومنهم من يولد فيها، ويتعلم ويعمل، حتى اذا حانت له الفرصة انضم لداعش. وباستطاعتنا أن نقول إن الشعوب العربية والاسلامية كلها أو معظمها تعيش فى العصور الحديثة، دون أن تندمج فيها أو تشارك فى بناء حضارتها، فهى تعانى من الاغتراب فى الزمن رغم وجودها فى الوطن، وهو الوضع الذى تعرضت له الاجناس التى انقرضت فى الأزمنة السحيقة لأنها لم تستطع أن تطوع نفسها للتغيرات والتطورات التى حدثت فى الطبيعة، ولم تستطع أن تطوع الطبيعه لنفسها.

نحن ايضا مهددون بالانقراض أو بوضع لايختلف كثيرا عن الانقراض، لأننا لانستخدم عقولنا كما يستخدم الآخرون عقولهم، ولانستثمر ثرواتنا كما يستثمر الآخرون ثرواتهم، ولاننمى طاقتنا لنعرف مانجهله وننتفع بما لم نكن ننتفع به، بل نحن نبدد طاقتنا ونفقد ما استطعنا أن نحصله فى القرنين الآخيرين من ثقافة العصر الحديث وعلومه وفنونه، ونرجع القهقرى الى ماكنا عليه فى عصور الظلام ونحن إذن مهددون بالانقراض. ولأننا مهددون بالانقراض فالثورة الدينية آتية لاريب فيها!





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المحبوب أحمد الأمين




مُساهمةموضوع: رد: الثورة الدينية عند الدكتور أحمد عبد المعطي حجازي والاستاذ محمود محمد طه    الثلاثاء 24 مارس 2015 - 10:02



مقتطفات من كتاب الاستاذ محمود محمد طه

الثــــورة
الثقـــافـية





أربجي _ مايو 1972
ربيع الآخر 1392

الإهــــداء:-

الذين يتوقون إلى تجديد شبابهم ،
من الأفراد و الأمم !!
الثورة الفكرية هي ((القابلة)) ،
لميلادكم الثاني !!
و الذين يولدون الميلاد الثاني ،
لا يولدون أطفالاً !!
و إنما يولدون في سن أهل الجنة ،
في الثالثة و الثلاثين !!






بسم الله الرحمن الرحيم


((الله يعلم ما تحمل كل أنثى ، و ما تغيض الأرحام ، و ما تزداد .. و كل شئ عنده بمقدار * عالم الغيب ، و الشهادة ، الكبير ، المتعال * سواء منكم: من أسر القول ، و من جهر به .. و من هو مستخف بالليل ، وسارب بالنهار * له معقبات ، من بين يديه ، و من خلفه ، يحفطونه من أمر الله .. إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم .. و إذا أراد الله بقومٍ سوءً فلا مرد له .. و مالهم من دونه من وال))
صدق الله العظيم

المقدمـــة

هذا كتاب عن الثورة الثقافية ، نخرجه للناس ، و نستهدف به إحداث التغيير الجذري ـ في حياة الأفراد والجماعات ، و ذلك عن طريق إعادة التعليم ـ إعادة تعليم المتعلمين ، و غير المتعلمين .. و التغيير الجذري الذي نعنيه هو تغيير لم يسبق له مثيل ، منذ بدء النشأة البشرية .. هو تغيير تدخل به البشرية المعاصرة مرتبة الإنسانية .. و تلك مرتبة يتطلب دخولها قفزة أكبر من تلك التي حدثت لدى دخول الحيوان مرتبة البشرية .. و سيحدث ذلك ، بفضل الله ، ثم بفضل الفكر الصافي.
و لقد ظللنا نتحدث عن الثورة الفكرية منذ زمن بعيد ، ففي كتاب صدر لنا في الخامس و العشرين من مايو عام 1969 ، بعنوان: (لا إله إلا الله) جاء في مقدمته ، عند الكلام عن ثورة أكتوبر: (و المرحلة الثانية من ثورة أكتوبر هي مرحلة الفكر المستحصد ، العاصف ، الذي يتسامى بإرادة التغيير إلى المستوى الذي يملك معه المعرفة بطريقة التغيير .. و هذه تعني هدم الفساد القائم ، ثم بناء الصلاح مكان الفساد .. و هي ما نسميه بالثورة الفكرية .. فإن ثورة أكتوبر لم تمت ، و لا تزال نارها تتضرم ، و لكن غطى عليها ركام من الرماد ، فنحن نريد أن تتولى رياح الفكر العاصف بعثرة هذا الرماد حتى يتسعر ضرام أكتوبر من جديد ، فتحرق نارها الفساد ، ويهدي نورها خطوات الصلاح .. وليس عندنا من سبيل إلى هذه الثورة الفكرية العاصفة غير بعث الكلمة: (لا إله إلا الله) جديدة ، دافئة ، خلاقة في صدور النساء و الرجال ، كما كانت أول العهد بها في القرن السابع الميلادي .. ) الصفحة ثمانية الطبعة الأولى ..
و من قبل هذا جاء في كتابنا: (أسس دستور السودان) الصادر فى عام 1955 الطبعة الأولى منه ، حديث عن الثورة الفكرية: (بعث "لا إله إلا الله" من جديد لتكون خلاقة في صدور الرجال والنساء ، اليوم كما كانت بالأمس ، و ذلك بدعوة الناس إلى تقليد محمد ، إذ بتقليده يتحقق لنا أمران: أولهما توحيد الأمة ، بعد أن فرقتها الطائفية أيدي سبأ ، و ثانيهما تجديد الدين .. و بتجديد الدين يسمو الخلق ، و يصفو الفكر .. فالثورة الفكرية هي طريقنا الوحيد إلى خلق إرادة التغيير ، و إلى حسن توجيه إرادة التغييرـ التغيير إلى الحكم الصالح ، و هو الحكم الذي يقوم ، في آنٍ واحد ، على ثلاث دعامات: من مساواة إقتصادية ، و مساواة سياسية ، و مساواة إجتماعية. و ذلك هو الحكم الذي يجعل إنجاب الفرد الحر ممكناً .. الفرد الذي يفكر كما يريد ، ويقول كما يفكر ، ويعمل كما يقول .. ثم لا تكون عاقبة قوله ، و لا عمله ، إلا الخير ، و البر ، بالناس و بالأشياء ..) صفحة 80 من الطبعة الثانية الصادرة في نوفمبر 1968..






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المحبوب أحمد الأمين




مُساهمةموضوع: رد: الثورة الدينية عند الدكتور أحمد عبد المعطي حجازي والاستاذ محمود محمد طه    الثلاثاء 24 مارس 2015 - 10:05




الثورة الإسلامية الأولى


إن الثورة حين تكون عنيفة ، إنما تحمل عناصر فنائها في عنفها لأنها لا تملك ، مع العنف ، أن تعتدل ، فلقد وردت كلمة عن المسيح يقول فيها: "من أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ" و لكن الثورات لا تملك أن تجد طريقها ميسراً ، حتى تستغنى عن العنف ، ذلك بأن رواسب قانون الغابة ، و أفكار عهد الغابة ، تبرر في نظر المغلوب ، العبارة المأثورة: "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة" .. و القوة عندهم هنا ليست كما هي عندنا في العبارات التي إقتبسناها من كتاب "لا إله إلا الله" .. و إنما القوة هنا مرادفة للعنف.

إن التحول ، والتغيير ، و الثورة ، التي تتم عن طريق الإقناع ، والفكر ، هي التغيير المأمون العواقب ، الثابت ، الذي يطرد كل حين و لا ينتكس .. و لكن محاولة مثل هذه الثورة الفكرية السليمة ، إنما هي محاولة مكتوب عليها الفشل ، إذا جاءت في غير أوانها .. و يمكن القول ، على التحقيق ، بأن التغييرات التي حدثت في المجتمع البشري جمعيها ، قد كانت القوة فيها مدفوعة إلى إستعمال العنف ، لأن المستوي البشري ، في الماضي ، و إلى يوم الناس هذا ، لم يبلغ المستوى الذي يغني القوة عن إستعمال العنف .. و الثورة الإسلامية مثل من أبلغ الأمثلة في التاريخ ، على إضطرار الثائر للجوء إلى العنف ، بعد محاولة طويلة ، و جادة ، في تجنبه .. لقد جاءت الدعوة الإسلامية في القرآن ، تركز على الإقناع ، وتمنع العنف ، بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ .. يقول تعالى لنبيه: "أدع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن .. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ، و هو أعلم بالمهتدين* و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به .. و لئن صبرتم لهو خير للصابرين* و أصبر !! و ما صبرك إلا بالله .. و لا تحزن عليهم .. و لاتك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين إتقوا و الذين هم محسنون" و يقول تعالى: "و لا تستوي الحسنة و لا السيئة .. إدفع بالتي هي أحسن ، فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم * و ما يلقاها إلا الذين صبروا ، و ما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيم" .. و يقول تعالى: "فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر" و يقول تعالى: "لا إكراه في الدين ! ! قد تبين الرشد من الغي" .. قوله " لا إكراه في الدين" منع للعنف واضح .. قوله: "قد تبين الرشد من الغي" دعوة إلى تبيين الحق ، من الباطل ، بلسان الحال أولاً ثم بلسان المقال .. و هي دعوة إلى القوة ـ قوة الخلق ، و قوة الفكرـ اللذين بهما يكون الإقناع .. و يقول تعالى ، في موضع آخر: "و قل الحق من ربكم ، فمن شاء فليؤمن ، و من شاء فليكفر .." و إستمر القرآن على هذا النهج ، يدعو إلى القوة ، و يمنع العنف ، مدى ثلاث عشرة سنة ، يبتغي التغيير عن طريق الإقناع .. و كان المجتمع مجتمعاً عبودياً .. و قد جاءت دعوة القرآن إلى التحرير ، و إلى المساواة بين الناس .. فهي تقول: "ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى" .. و تقول: "كلكم لآدم و آدم من تراب .. إن أكرمكم عند الله أتقاكم" وهي تدعو إلى التوحيد ، و تقول للناس قولوا "لا إله إلا الله" .. و معنى هذه هو القول للمستضعفين و المسترقين .. للعبيد من أمثال بلال و صهيب .. يا بلال !! أنت و سيدك إلهكم واحد !! و أن عندك الفرصة في أن تكون خيراً منه ، إن كنت أتقى الله منه .. "أن أكرمكم عند الله أتقاكم" .. و لما شعر الأقوياء علي العهد الجاهلي ، و أصحاب الإمتياز ، و ملاك العبيد ، أن هذه الدعوة ستقوض نفوذهم ، و تحرر عبيدهم ، و تهدم القاعدة الإقتصادية عندهم ، وتغير ميزان القيم في مجتمعهم ، قاوموها .. و كعادة دهاء أصحاب النفوذ ، قاوموها بدعوى الدفاع عن آلهة الأجداد ، و دين الآباء .. و قالوا: إن هذا الداعية الجديد يسب آلهتنا ، و يسفه أحلام آبائنا .. و ليست هذه هي الأسباب الحقيقية .. فقد كانت آلهتهم أصناماً من الحجر .. و كانوا هم ، على التحقيق ، أذكى من أن يدافعوا عن هذه الأحجار ، و لكن الأحجار كانت ، في الواقع رمز نفوذهم ، و سيادتهم ، و إمتيازهم على العرب .. فهم إذن إنما كانوا يدافعون عن مصالحهم المادية .. و تفلت ألسنتهم ، الفينة بعد الفينة ، بالسبب الحقيقي لعداوتهم للدعوة الجديدة .. قالوا مرة مثلاً: "أن محمداً يفسد علينا غلماننا" .. لقد قوومت الدعوة الجديدة إلى التغيير ، إذن ، بدوافع من الحرص على الإبقاء على الامتياز المتوارث .. و لم تنجح حيلة من الحيل في إقناع أعدائها بالتنازل عن إمتلاك رقاب البشر .. و لم يبق إذن إلا أن تلجأ القوة إلى العنف .. و شئ آخر ، فإنه ، حتى المستضعفين ، لم تستطع الدعوة الجديدة أن تكسبهم إلى جانبها ، و ما ذاك إلا لأنهم قد سقطوا فريسة لتضليل أصحاب النفوذ الذين كانوا يستغلون جهلهم ، و يحركون عاطفتهم إذ يتحدثون عن ميراث الآباء ، و الأجداد ، و هم لا يهمهم من ذلك إلا إستمرار نفوذهم .. يقول تعالى في الحكاية عنهم: "أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون؟؟ * بل قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة ، و إنا على آثارهم مهتدون * و كذلك ، ما أرسلنا ، من قبلك ، في قرية ، من نذير ، إلا قال مترفوها: إنا وجدنا آباءنا على أمة ، و إنا على آثارهم مقتدون * قل: أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم؟؟ قالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون" .. و قال تعالى عنهم: " ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات ، و ما في الأرض ، و أسبغ عليكم نعمه ، ظاهرة و باطنة ؟؟ و من الناس من يجادل في الله بغير علم ، و لا هدى ، و لا كتاب منير * و إذا قيل لهم: أتبعوا ما أنزل الله قالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا .. أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير؟؟". ثم إنهم لما قويت معارضتهم للدعوة الجديدة ، التي ترمي إلى التغيير من غير عنف ، تفننوا في تضليل السذج ، و البسطاء ، ليقفوا ضد مصالح أنفسهم ، و أصبح واضحاً أن ليست هناك فرصة للإقناع ، و وجدت الدعوة الجديدة نفسها مضطرة للجوء إلى العنف ، سحبت آيات الإسماح ، و نزل قرآن الجهاد ـ القرأن الذي يأمر القوة بإستعمال العنف .. و قد ظن بعض الناس أن الإسلام لم يستعمل العنف إلا دفاعاً عن النفس .. و إنما ساقهم إلى هذا الخطأ بعض ملابسات التاريخ الإسلامي في نشأته ، و ظنهم أن إستعمال العنف ، من حيث هو ، أمر معيب ، و حرصهم على الدفاع عن الإسلام مما يعتبر نقصاً في حقه ، في إعتبار خصومهم .. و الحق أن سبب لجوء الإسلام إلى السيف إنما يجئ من جهتين ، أولاهما: المقاومة التي لقيها من أصحاب النفوذ و ممن وقعوا تحت تضليلهم ، أو تحت إرهابهم من المستضعفين .. و آخراهما: إستحالة الإقناع في وقت لم تكن العقول فيه مستنيرة بإنتشار التعليم ، و لا القلوب فيه سليمة بتوفر أسباب الأمن .. و إنما بدأ القرآن بتقديم آيات الإسماح ، و بالتركيز عليها ، لكونها الأصل . ثم لما ظهر ، ظهوراً عملياً ، أن الوقت غير مهيأ لتطبيق هذا الأصل ، نزل عنه على حكم الوقت ، و إستبدله بالآيات الفرعية لتكون مرحلة تعد الناس للإرتفاع إلى مستوى الأصول و ذلك بأن يكونوا قادرين على رؤية الحق ، و على التمييز الدقيق بينه ، و بين الباطل .. و يومئذ تكون قوة الحق كافية لإحداث التغيير إلى الأحسن ، بين الأفراد والمجتمعات ، من غير حاجة إلى اللجوء إلى العنف ..
إن الأصل في اللجوء إلى العنف ، إنما هو مصادرة حرية من يسئ التصرف في إستعمال الحرية .. فإن الناس لم يخلقوا عبثاً ، و إنما خلقوا لحكمة .. هذه الحكمة هي أن يعرفوا الحق ، و أن يلزموا الحق ، وأن يكونوا بالحق أحراراً .. و قد قال الله في تقرير هذا: "و ماخلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزقٍ ، و ما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين" ..

فإذا كانت الحكمة من خلق الناس هي أن يعبدوا الله ، ثم أن الله أسبغ عليهم نعمه من جميع أنواعها فكفروا بها ، و عبدوا الحجارة التي ينحتونها بأيديهم ، مهدرين بذلك كرامة عقولهم ، و إنسانيتهم ، فأرسل الله إليهم رسولاً ، يعرفون فيه كمالات الصدق ، و الخلق ، و أنزل عليهم قرآناً معجزاً ، ثم لم يكن ردهم على كل أولئك ، إلا الإصرار على الضلالة ، و الغواية ، والكفر ، فقد دل ذلك على أنهم لا يحسنون التصرف في حريتهم ، و أنهم لا يزالون في حاجة إلى وصاية عليهم تحملهم على الجادة ، و تصادر من حريتهم القدر الزائد عما يطيقون حسن التصرف فيه .. إن سبب العنف ، هو سوء التصرف في ممارسة الحرية من المدعوين ـ سبب إستعمال السيف هو نفسه سبب العقوبة بالنار في الآخرة ، و لذلك فإنه تبارك و تعالى قد قال: "فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر * إلا من تولى و كفر * فيعذبه الله العذاب الأكبر * إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم *" ففي قوله تعالى: " فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر *" أمر للإسماح بالحرية و منع للتسلط بالقوة ، و حد السلاح .. ثم جاء نسخ النهي عن التسلط في حق من تولى و كفر فقال: "إلا من تولى ، و كفر" .. فكأنه قال .. أما من تولى و كفر فقد جعلنا لك عليه سلطاناً .. هذا يؤخذ من قوله: "فيعذبه الله العذاب الأكبر" .. ففي عبارة "العذاب الأكبر" تنطوي عبارة العذاب الأصغر ، و هو العذاب بالسيف .. و من أوضح الدلائل على ان سبب العنف في الإسلام هو الكفر قوله تعالى: "و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ، و يكون الدين لله .. فإن إنتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين" .. هذا هو سبب القتال في الإسلام. و لكنه لم يبدأ إلا بعد أن قوي المسلمون بالقدر الكافي ليستطيعوا أن يناجزوا ، و إلا بعد أن أعطى الكافرين الزمن الكافي ليرعووا .. و كل هذا وضع طبيعي ، و منطقي .. و هذا الإمهال هو الذي ضلل من ظنوا أن الإسلام لم يقاتل إلا دفاعاً عن النفس .. قوله: "و قاتلوهم" أمر صريح بالقتال .. قوله: "حتى لا تكون فتنة" غاية صريحة من وراء القتال .. و الفتنة معناها الشرك .. و حتى "يكون الدين لله" أمر صريح أيضاً في سبب القتال .. ثم قال: "فإن إنتهوا" يعني عن الشرك .. قال: "فلا عدوان إلا على الظالمين" عنى بالظالمين الخارجين على القانون ممن دخلوا في ظل الإسلام .. فكأنه أمر بمصادرة حرية من يسئ التصرف في الحرية على مستويين: على مستوى السيف ، و على مستوى القانون . فأما الذين يرفضون الدخول في ظل الإسلام فليس هناك قانون لمصادرة حريتهم التي أساءوا التصرف فيها ، بإصرارهم على الكفر ، إلا قانون الحرب ـ إلا السيف ـ و من ههنا يجئ لجوء القوة إلى العنف .. و المستوى الآخر هو مصادرة حرية الذين يظلمون الناس ، ويعتدون على حقوق الآخرين ، و لكنهم هم قد دخلوا في دعوة الإسلام .. فهؤلاء يقع "العدوان" على حريتهم ، حين أساءوا التصرف فيها ، بالقانون ، لأنهم مذعنون لجملة الأمر ، فلا موجب لقتالهم .. و من ههنا جاء قوله تعالى: " فلا عدوان إلا على الظالمين" ، بعد أن قال: "فإن إنتهوا" .. أقرأ مرة أخرى: "و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة و يكون الدين لله ، فإن إنتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين".

إن الأصل في الإنسان ، كل إنسان إنه حر ، حتى يعجز عن حسن التصرف في حريته ، فإذا عجز صودرت حريته بقانون دستوري .. و غرض القانون ، حين يصادر حرية العاجز ، إنما هو تربيته ليكون كيساً ، فطناً ، قادراً على حسن التصرف في حريته ، في مستأنف أمره .. و هذا هو السبب الذي جعل الإسلام "القرآن" يبدأ بعرض الحرية على الناس في عهده المكي ، و ذلك بإنزال آيات أصول الدين ، ثم بالإستمرار على ذلك ثلاث عشرة سنة .. فلما ظهر ، ظهوراً عملياً ، أن الناس ، بحكم الوقت ، عاجزون عن حسن التصرف في الحرية ، صودرت حريتهم ، بإستبدال آيات الأصول بآيات الفروع التي بها وقعت مصادرة الحريات ، في مستوى السيف للجاحدين ، و في مستوى قانون الوصاية للمؤمنين .. إن الإسلام في عهده الأول ، قد إستعمل السيف كما يستعمل الطبيب المبضع ، لا كما يستعمل الجزار المدية .. فقد وجهت قوته الحكمة و الرحمة ، ما في ذلك ريب ، و لكن قد كانت القوة فيه مقترنة بالعنف ، ما في ذلك ريب أيضاً "يا أيها النبي جاهد الكفار ، و المنافقين ، و أغلظ عليهم ، و مأواهم جهنم وبئس المصير" .. "يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ، و ليجدوا فيكم غلظة .. و أعلموا أن الله مع المتقين" .. فلكأن تاريخ البشرية ، في جميع صوره الماضية ، قد إقترنت فيه القوة بالعنف ، حتى في الصور الملطفة التي يمثـلها الجهاد في سبيـل الله في الإسلام .. و لكن مستقبل البشرية سيدخله حدث جديد يتمثل في طلاق القوة من العنف .. و هذا هو جوهر دعوتنا ، نحن الجمهوريين ، إلى بعث الإسلام ، ، ببعث "لا إله إلا الله" في مستوى آيات الأصول ، التي كانت ، في عهد الإسلام الأول ، منـسوخة ، و هو أمر قد تحدثنا عنه بإستفاضة في كتابنا: "الرسالة الثانية من الإسلام" .. فليراجع في موضعه.




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المحبوب أحمد الأمين




مُساهمةموضوع: رد: الثورة الدينية عند الدكتور أحمد عبد المعطي حجازي والاستاذ محمود محمد طه    الثلاثاء 24 مارس 2015 - 10:07



الثورة الإسلامية الثانية:-


ثورة الإسلام الأولى إذن إقترنت فيها القوة بالعنف ، و إن كان عنفها يختلف عن العنف الذي تراد به السيطرة من القوي على الضعيف في غير حكمة نفع يعود على الضعيف ، إلا نفعاً يجئ عن طريق عرضي ، غير مراد من القوى .. و لكنه عنف على أي حال .. و قد حاولنا تبيين ذلك .. و أما ثورة الإسلام الثانية ، التي بها تكون عودته من جديد ، فإنها ثورة تقوم على القوة المبرأة من العنف ، و ذلك بفضل الله ، ثم بفضل حكم الوقت ، حيث أن البشرية قد تقدمت تقدماً كبيراً ، و أصبحت مستطيعة أن ترى الحق ، و أن تتخذ الحق سبيلاً حين تراه .. قال تعالى في حق بعث الرسول: "و ما أرسلناك إلا كافة للناس ، بشيراً و نذيراً ، و لكن أكثر الناس لا يعلمون" .. فالنبي مبعوث بثورة الإسلام الأولى وبثورة الإسلام الثانية .. و هو في كلتيهما بشير ، و نذير ، و لكن حظ البشارة ، في الثورة الأولى ، قد كان قليلاً ، و حظ النذارة كبيراً .. و سيكون حظ البشارة ، في الثورة الثانية ، كبيراً ، وحظ النذارة قليلاً .. إن الإسلام ، في ثورته الأولى ، لم يكن دين تبشير ، و إنما كان دين جهاد .. و لم يكن التبشير به بعد أن شرع الجهاد ليتعدى أمر الدعوة إلى المصحف ، قبل الشروع في القتال .. فقد كان المجاهدون المسلمون إذا لقوا عدوهم لا يبدأونهم بالقتال ، و إنما بدعوتهم إلى الإسلام .. يقولون: أسملوا تكونوا أخواننا .. لكم ما لنا ، و عليكم ما علينا .. فإن هم أبوا عليهم هذه يقولون: أدوا إلينا الجزية ، تعيشوا بيننا ، نحميكم ونحمي معابدكم .. فإن هم أبوا هذه قاتلوهم .. والحكمة وراء أخذ الجزية منهم إنما هي الحرص على الدم البشري ألا يراق إلا لدى الضرورة القصوى .. فإنهم ، حين يدفعون الجزية ، و يعيشون في المجتمع الإسلامي ، إنما يعيشون فترة إنتقال يعرفون خلالها الإسلام ، مطبقاً ، و معاشاً ، في حياة المسلمين .. وسيغريهم الحال بالانتقال من حالة دفع الجزية ، و هي حالة مهانة ، إلى حالة دفع الزكاة ، حيث وجبت ، و هي حالة كرامة .. ذلك لأن مال الزكاة عبادة ، و مال الجزية عقوبة .. لم تكن البشارة ، في ذلك العهد ، تتعدى هذا الحد ، و كانت السيادة للنذارة .. و لذلك فقد جاءت أول آية من آيات البعث ـ بعث النبي ليكون رسولاً ـ جاءت أول آية من آيات الرسالة بالنذارة: "يا أيها المدثر قم فأنذر" .. و من يومئذ جاء تقديم النذارة على البشارة .. و إنما عن النذارة جاء إستخدام القوة للعنف. و لقد كانت الثورة الأولى ثورة مرحلية لتعـد الأرض للثورة الثانية ، حيث لا مكان للعنف و إنما هو الإسماح .. وآية الثورة الثانية من كتاب الله: "لا إكراه في الدين .. قد تبين الرشد من الغي" هذه هي آية البشارة .. و قد كانت منـسوخة في عهد النذارة لأنها كانت أكبر من المجتمع يومئذ .. و هي صاحبة الوقت اليوم: "لا إكراه في الدين .. قد تبين الرشد من الغي .. فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد إستمسك بالعروة الوثقى لا إنفصام لها .. والله سميع عليم" قوله تعالى: "لا إكراه في الدين " ، منع للعنف .. قوله: "قد تبين الرشد من الغي" ، تقرير بأن الرشد قد تبين من الغي ، و ذلك بنزول القرآن الموضح لفضائل الإيمان ، و رذائل الكفر .. و هو أيضاً أمر ، و مطالبة بتبيين الرشد من الغي ، و ذلك بأن يطبق الدعاة ما يدعون إليه قبل مباشرتهم هذه الدعوة ، حتى تكون دعوتهم إلى الرشد مبينة بلسان الحال ، قبل لسان المقال .. فقد جرى حديث قدسي إلى عيسى قال فيه ، جل من قائل ، "يا عيسى عظ نفسك ، فإن إتعظت فعظ الناس ، و إلا فاستحي مني" .. و الدعوة بلسان الحال هي أصدق الحديث .. و لا خير في الدعوة بلسان المقال ، إذا لم يكن مصحوباً بلسان الحال ، فإنه وارد عن النبي في هذا الأمر قوله لإبن عمر: "دينك !!دينك !! يابن عمر!!و لا يغرنك ما كان مني لأبويك .. و خذ ممن أستقاموا ، و لا تأخذ ممن قالوا" ..

و حين لم يكن الإسلام ، في ثورته الأولى دين تبشير ، و إنما كان دين جهاد ، فإنه ، في ثورته الثانية ، دين تبشير ، و لا مكان للسيف فيه ، على الإطلاق .. و الذين يتحدثون عن عودة الإسلام و يتحدثون عن السيف ، يخطئون حقيقة الإسلام ، و يخطئون حكم الوقت ، في آنٍ معاً .. و هم يحسنون ، إلى انفسهم ، ويحسنون إلى الإسلام ، إذا تركوا هذه الدعوة المعوقة ..
لقد تحدثنا عن ثورة الإسلام الثانية في كتابنا .. "الرسالة الثانية من الإسلام" .. فالرسالة "الثانية من الإسلام" إنما تعني ما تعنيه "ثورة الإسلام الثانية" فليراجع هذا الكتاب بتـأنٍ ..
لقد أسلفنا القول بأن النبي مبعوث "بثورة الإسلام الأولى" ، "وبثورة الإسلام الثانية" .. و قلنا أنه في كلتيهما بشير ، و نذير .. و قلنا أن حظ البشارة في الثورة الأولى قد كان قليلاً ، و حظ النذارة كبيراً ، و من ثم جاء السيف .. و قلنا أن حظ البشارة في الثـورة الثانية سيكون كبيراً ، و حظ النذارة قليلاً .. و لن يتعدى حظ النذارة التنفير من الجهل ، و التشجيع على العلم .. و هذا معنى قوله ، من الآية التي تمنع الإكراه ، و التي أوردناها قبل قليل: "فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد إستمسك بالعروة الوثقى ، لا إنفصام لها .. و الله سميع عليم" ..
والتبشير بالإسلام أمر يتطلب أن يكون المبشر، من سعة العلم بدقائق الإسلام، وبدقائق الأديان، والأفكار، والفلسفات المعاصرة، بحيث يستطيع أن يجري مقارنة تبرز إمتياز الإسلام على كل فلسفة إجتماعية معاصرة، وعلى كل دين، بصورة تقنع العقول الذكية.. وأن يكون من سعة الصدر بحيث لا ينكر على الآخرين حقهم في الرأي .. وأن يكون من حلاوة الشمائل بحيث يألف، و يؤلف من الذين يخالفونه الرأي.. وهذه هي الصفات التي لا تكتسب إلا بالممارسة.. أعني ـ أن يمارس الداعي دعوته في نفسه، وأن يعيشها ـ أعني أن يدعو نفسه أولاً، فإن إستجابت نفسه للدعوة دعا الآخرين.. فإن شر الدعاة هم الوعاظ الذين يقولون مالا يفعلون.. ففي حق هؤلاء وارد شر الوعيد.. قال تعالى "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون* كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون".. ومقت الله شر ما يتعرض له العبد..

الثورة التي لا تقترن فيها القوة بالعنف إسمها الدقيق "التطور".. وهي، إذ تسمى ثورة، إنما تسمى من قبيل سرعة التغيير الذي يجري بها، فإنه من المألوف أن "التطور" وئيد، وأن "الثورة" سريعة.. وإنما كان التطور وئيدا لأن الذكاء البشري قد كان متخلفاً، وقد كانت العادة هي المسيطرة، والحائلة دون التجديد، بل حتى دون الفضيلة، في بعض الأحيان.. قال تعالى في النعي على العادة: "وإذا فعلوا فاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها.. قل إن الله لا يأمر بالفحشاء. أتقولون على الله مالا تعلمون؟؟ * قل أمر ربي بالقسط، وأقيموا وجهكم عند كل مسجد، وأعبدوه، مخلصين له الدين، كما بدأكم تعودون".. والتقدم البشري جميعه إنما هو محاولة أن يقوى الذكاء البشري و يتولى قيادة سفينة التغيير في مدارج التطور المستمر..



http://www.alfikra.org/chapter_view_a.php?book_id=24&chapter_id=5








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المحبوب أحمد الأمين




مُساهمةموضوع: رد: الثورة الدينية عند الدكتور أحمد عبد المعطي حجازي والاستاذ محمود محمد طه    الثلاثاء 24 مارس 2015 - 10:14





الثورة الفكرية


الفكر هو وظيفة حاسة العقل .. ففي حين أن:-
النظر هو وظيفة العين ..
و السمع هو وظيفة الأذن ..
والشم هو وظيفة الأنف ..
و الذوق هو وظيفة اللسان ..
و اللمس هو وظيفة اليد ..
فإن الفكر هو وظيفة العقل .. و العقل هو جماع هذه الحواس الخمس ..
ففي البدء كان القلب: "إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين" و كقشرة تقي القلب ظهر الجسد .. و من الجسد ظهرت الحواس التي ذكرناها أعلاه ، ثم تمركزت ، و بها ظهر العقل .. فالقلب مخدوم ، والجسد ، و العقل ، خادمان و وظيفة العقل الإدراك .. و العقل الحيواني وحدة غير منقسمة .. و هو موظف لتحصيل اللذة .. و هو ، في هذا المستوى ، حظ مشترك بين الحيوان اشللي و الإنسان الرفيع .. و هو ما سمي "بالنفس الأمارة" .. "إن النفس لأمارة بالسوء" .. ثم وقعت القسمة بالتكليف الإجتماعي ، قبل التكليف الشرعي ، و ذلك بدخول أعراف المجتمع لتقيد تصرفات الأفراد .. ثم زادت القسمة وتوكدت بمجئ الشرائع السماوية المتقدمة ، و التي تقوم على التوحيد ، و على الإيمان بالغيب .. و قسمة العقل التي تهمنا هنا إنما هي القسمة في مستوى العباد السالكين الذين دخلوا مرحلة النفس اللوامة .. و لو أن القسمة حصلت قبل ذلك بوقت طويل .. و عن هذه القسمة ورد باطن الآية: "أولم ير الذين كفروا أن السموات و الأرض كانتا رتـقاً ففتـقناهما ؟؟" .. و معلوم أن ظاهر الآية يتحدث عن السموات ، و الأرض ، في آيات الآفاق .. و الإنقسام الذي حصل إنما هو ظهور اللطيف من الكثيف .. و الفكر إنما هو حركة العقل بين اللطيف و الكثيف .. و بهذه الحركة يقع الإدراك .. و هذه الحركة سريعة ، حساسة .. هي أسرع من حركة العين بالنظر .. و هي لا يستقر لها قرار ، و إنما هي في ذبذبة مستمرة ، و حتى عندما يكون الإنسان نائماً فإنها تتخذ صوراً قد تظهر في الأحلام ، و قد تكون بعيدة من السطح ، مختفية في الأغوار .. و من ثم ، فإن حركتها في الأحلام قد تكون منسية لدى صاحبها .. و هذه القوة التي تتحرك في العقل بين طرفيه ، اللطيف و الكثيف ، و التي بحركتها يكون الفكر إنما هي قوة الذكاء .. و طرفا العقل ، المختلفان إختلاف مقدار ، بين الكثافة و اللطافة ، هما المسميان ، في التعبير الديني ، بالنفس والروح .. و هما نقيضان لدى النظرة السطحية ، ولكنهما شئ واحد لدى التحقيق الدقيق .. و الإختلاف بينهما إنما هو إختلاف في المقدار .. هو كالإختلاف الذي يكون بين الشفرة وحد الشفرة ، كلاهما من مادة واحدة ، و لكن حد الشفرة مسحوبة فيه المادة إلى لطافة جعلته حاداً ، وقاطعاً .. و بندول الفكر ، في حركته ، و ذبذبته المستمرة ، و السريعة ، بين هذين الطرفين المتناقضين ، في ظاهر الأمر ، دائماً يمر بنقطة وسط بينهما .. هذه النقطة الوسط تمثل التفكير المستقيم .. و لكن ، لكثرة ، و لسرعة أضطراب الفكر بين طرفي النقيض ، فإنه لا يكاد ينفق وقتاً في نقطة إستقامة التفكير هذه .. هذه النقطة التي يمر عليها ، وهو لا يكاد يشعر بها ، تقع في خط الإستواء ، و هو خط الإستقامة الذي ورد عندنا في: "أهدنا السراط المستقيم * سراط الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم ، و لا الضالين". "فالمغضوب عليهم" يمثلون طرفاً ، "و الضالين" يمثلون الطرف الآخر من طرفي النقيض .. و لا يكون التفكير سليماً ، و لا مستقيماً و لا مسدداً ، إلا إذا إستطاع أن ينفق وقتاً أطول في نقطة خط الإستواء .. و هذه هي وظيفة التوحيد وهي وظيفة الصلاة .. و هذا التفكير السليم هو التفكير الذي يريده الدين عندما قال تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم .. و لعلهم يتفكرون" .. و لقد قلنا: أن العلة وراء إرسال الرسول ، و وراء إنزال القرآن ، و تشريع الشريعة ، إنما هو الفكر: "ولعلهم يتفكرون" .. و ليس بالفكر عبرة إن لم يتهذب ، و يتأدب ، بأدب شريعة القرآن ، و بأدب حقيقته .. و أدب الشريعة ينهانا عن العجلة ، و يأمرنا بالصبر .. وأدب الحقيقة ينهانا عن العجلة ، ويأمرنا بالصبر .. و هما فيما يأمراننا لا يختلفان إلا إختلاف مقدار .. و سبب العجلة التي تؤوف حياتنا ، و تفكيرنا ، و أخلاقنا ، إنما هو الخوف .. الخوف على الحياة ، و الخوف على الرزق. و لذلك فقد وظف القرآن نفسه لتحريرنا من الخوف ، حتى يستطيع فكرنا أن يطيل مكثه في نقطة خط الإستواء هذه . و لقد تحدثنا عن ذلك عند حديثنا عن وظيفة الصلاة .. فإننا لننتصر على الزمن كلما سيطرنا على حركة الفكر هذه بين الطرفين النقيضين.

عند ماركس فإن التوحيد إنما يتم بالصراع بين النقيضين .. و للنقيضين عنده صور كثيرة ، و لكن أكثر ما يهتم بها منها ، هو الوضع الطبقي بين المستغِلين "بكسر الغين" و المستغَلين "بفتح الغين" .. فإن الطبقتين تمثلان نقيضين .. و يقع بين هذين النقيضين صراع ، لابد من العنف فيه ، فتظهر ، نتيجة لهذا الصراع ، طبقة ثالثة موحدة .. ثم لا تلبث هذه الطبقة الموحدة أن يظهر فيها النقيضان .. ثم أن هذين النقيضين لا يلبثان أن يصطرعا بينهما كما جرى لسابقيهما .. و هذا يستمر لغير نهاية ، لأن كل توحيد عنده يحمل عنصر التناقض في ذاته .. و هذا ما أسماه بالصراع الطبقي ، و ما قال عنه في أحد مبادئه الأربعة: "التاريخ ما هو إلا سجل لحرب الطبقات" .. و هذه هي فلسفته في عملية التاريخ التي سماها "المادية التاريخية" .. و لما كانت فكرة الخالق مجحودة عند كارل ماركس فقد تبع ذلك رفض وحدة الوجود .. و من ثم فإن المتناقضين عنده يقومان على إختلاف نوع .. و هذا ما يجعل العنف عنده أصلاً من الأصول .. و هو ، بطبيعة الحال ، أس الخطأ في تفكير ماركس ، مما يجعل الماركسية مرحلية .. و إن كانت هذه المرحلية في غاية الأهمية في تاريخ تطور المجتمع فكرياً ، و إجتماعياً ، و سياسياً ، في القرنين الأخيرين .. الماركسية مرحلية لأنها ، حين قطعت صلتها بالغيب ، عجزت عن إدراك القوة التي تؤثر في تطور الإنسان من خارج المادة .. لقد خدمت الماركسية غرضاً كبيراً و لكنها قد إستنفذت غرضها هذا ، و أخذت تدخل التاريخ .. و هي لن تكون لها في المستقبل غير قيمتها التاريخية هذه .. و هي قيمة كبيرة ، من غير شك ، إذ قد شكلت قنطرة تربط ، ربطاً علمياً ، في مجال الفكر ، ومجال التنفيذ ، بين المادة و الروح .. فهي بذلك ـ أعنى الماركسية ـ قد جعلت عودة الإسلام ، من جديد ، ممكنة ، و واجبة ..

التناقض موجود في الإسلام .. و التوحيد بين المتناقضين هو عمل كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله" .. فقد قلنا أن التفكير هو الجولان بين متناقضين ، هما: الروح ، و النفس .. و النفس كثيفة ، مظلمة .. و الروح لطيفة ، مشرقة .. و من هاتين الهيئتين يقوم التناقض بين الروح و النفس. ولكن التوحيد يمنع إختلاف النوع ، و يقول ، إن كل الإختلاف ، بين كل مظاهر الوجود ، إنما هو إختلاف مقدار .. ويقول إن الروح مادة في حالة من الإهتزاز لا تتأثر بها حواسنا ، و أن النفس مادة في حالة من الإهتزاز تتأثر بها حواسنا .. فالإختلاف إذن بين الروح والنفس ، إنما هو إختلاف سرعة الذبذبة بينهما ، و لكن كلتاهما مادة .. و المادة إنما هي طاقة. و هذه الطاقة إنما هي إرادة الخالق الواحد .. و من ههنا فإن التوحيد مقرر مسبقاً ، و ذلك لوحدة العقل الكلي الذي ما الوجود المتعدد المظاهر إلا أثره الملموس . و التوحيد ، الذي نتحدث عنه في الدين ، إنما غرضه ترويض العقل الحادث ـ عقل الإنسان ـ على محاكاة ، أو قل تقليد ، العقل الكلي في نزاهته عن الرغبة ، و في عدم ميله مع الهوى .. ذلك لأن الهوى هو آفة التفكير الأساسية .. و قديماً قال أرسطو في تعريف القانون بأنه: "العقل الذي لم يتأثر بالرغبة" ، يعني العقل المحايد .. و تحييد العقل هو عمل الدين ، و وظيفة الصلاة ، و لقد تحدثنا عن ذلك في جملة من كتبنا ..

هذا ، و أكبر النقيضين في الفكر الإسلامي إنما هما الرب ، والعبد ، و الإختلاف بينها إنما هو إختلاف مقدار ، لأن العبد إنما هو تنزلات الرب من الإطلاق إلى القيد .. و العبد يكدح ليقطع المسافات ـ مسافات بعد الصفات ـ ليعود إلى الإطلاق مرة أخرى ، و هيهات!! ذلك لأن السير في هذا المضمار إنما هو سير سرمدي .. و معلوم عند من أوتوا العلم أنه ، من كل الوجود ، لا يبقى في آخر الأمر ، إلا الرب و العبد .. و بقاؤهما سرمدي. و الحجاب القائم بين الرب و العبد ، و لن ينفك ، إنما هو العقل .. إنما هو الطرف اللطيف من العبد ، و هو العقل .. فبالعقل تقع الزيادة في الترقي ، و به يقع الحجاب .. و العبادة إنما هي محاولة مستمرة لرفع الحجاب و ذلك بتحييد العقل .. و لقد قال ، جل من قائل: "إن كلٍ من في السموات و الأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم و عدهم عدا * و كلهم آتية يوم القيامةٍ فردا" .. و ليس إتيان العبد الرب بقطع المسافات ، و إنما هو بتقريب الصفات من الصفات .. و من أجل تقريب الصفات من الصفات جاء أمره تعالى "كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ، و بما كنتم تدرسون" .. و مع أن الصراع بين المتناقضين في الإسلام قائم ، و العنف طرف فيه ، كما قد بينا ، غير أنه ، عندما يعرف العبد ، بفضل الله ، ثم بفضل العبادة ، أن الصراع الذي يقع بينه و بين بيئته الطببيعية والبشرية إنما هو ، في الحقيقة ، صراع بينه وبين ربه ـ إنما هو إعتراض منه على ربه ـ فإنه عندما يعرف ذلك ينساق إلى ترك العنف ، وإلى المسالمة و إلى إحتمال الأذي من الناس ، و كف الأذى عن الناس .. و إنما من هذا المشهد جاءت وصية المسيح: "من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر ، كذلك" و جاءت وصيته: أحبوا أعداءكم !! باركوا لاعنيكم !! وصلوا من أجل الذين يسيئون إليكم !! ويطردونكم !!" .. و لكن حكم الوقت قد جعل وصايا المسيح غير عملية ، و غير ممكنة التطبيق .. و لذلك فإنها ، عملياً و تطبيقياً ، قد كانت منسوخة ، فلم يعشها أحد غيره .. لا !! و لا تلميذه الأكبر ، بطرس!! و لقد جاءت دعوة الإسلام ، في بدء أمره ، على نحو من هذا الإسماح ، و لكن حكم الوقت قد جعلها ، من الناحية العملية و التطبيقية ، غير ممكنة ، و لذلك فقد نسخت وما عاشها ، بعد النبي أحد .. لا !! ولا صاحبه الأكبر أبو بكر الصديق!! و لكن من فضل الله علينا ، و على الناس ، أن نسخها لم يتركنا في فراغ ، و إنما جاء بقرآن فرعي ، عليه قامت المرحلة التي تناسب حكم الوقت ، وتنقل المجتمع ليكون في مستوى تطبيق الوصايا في التشريع ، و تطبيق الإسماح هذا الذي لم يطقه مجتمع الوقت الماضي .. وهذا الصنيع هو الذي جعل الإسلام أكمل من اليهودية ، و من النصرانية .. ذلك لأن آيات فروعه عاملة ، في مستوى القاعدة ، كشريعة للعامة ، في الوقت الذي تظل فيه آيات أصوله ـ آيات الإسماح و التسامح ـ في القمة ، و صايا غير ملزمة لأحد ، و إنما يدخلها من أطاق من باب الندب .. ثم أن الإسلام ، حين تكتمل الدعوة لأصوله ، إنما تكون فروعه عاملة ، في بعض صورها ، كقاعدة لشريعة العامة ، منها يتسامون إلى مراتب العزائم التي تقوم على أصول آياته .. قال تعالى في الأصول والفروع: "والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون * و جزاء سيئة سيئة مثلها .. فمن عفا ، و أصلح فأجره على الله .. إنه لا يحب الظالمين * و لمن إنتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل * إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ، و يبغون في الأرض بغير الحق .. أولئك لهم عذاب أليم * و لمن صبر ، و غفر ، إن ذلك لمن عزم الأمور" .. إن هذا لمن النسق العالي في سياسة النفوس ، و تربيتها ، و التسامي بها إلى القمم المطلوبة .. فإن الإنسان بطبيعته المكتسبة ـ بطيبعته الثانية ـ شكس ، و مفترس ، و معتد .. ويجد الميل في نفسه "لأن يكيل الصاع صاعين" ، كما يقال .. فأنت لا تستطيع أن تطلب إليه من هذا الغور السحيق أن يصعد إلى القمة ، و أن يسمح لا و لا تستطيع أن تطلب إليه أن يحتمل الأذى ، و أن يكف الأذى .. و لكنك قد تستطيع أن تطلب إليه أن "يكيل الصاع صاعاً" ، بدلاً من صاعين ، بمعنى أن يعتدل ، و أن يكون عادلاً .. تستطيع أن تطلب إليه أن يجزي السيئة بسيئة ، ولا يزيد .. و هو قد يمكنه أن يفهمك ، وقد يمكنه أن يستجيب لدعوتك ، و إن كانت تكلفه شيئاً قد يكون جديداً على نفسه ، و لكنه شئ ممكن ، بقليل من المجهود . و من هذا القبيل جاء قوله تعالى: "وجزاء سيئة سيئة مثلها .. " ومن هنا فإن المقتص لنفسه ممن إعتدى عليه لا يشعر بجرم الخروج عما أراد الله ، و عما يرضى ، و إن كان قد يشعر بأن المزيد من مرضاة الله لا يزال أمامه ، لأنه قد ندب ، و لم يكلف ، إلى العفو .. فإنه تعالى قد قال ، في تمامة الآية: "فمن عفا ، و أصلح ، فأجره على الله" و "عفا و أصلح" هذه تقابل عبارة المسيح حين قال: "أحبوا أعداءكم !! باركوا لاعنيكم !! و صلوا من أجل الذي يسيئون إليكم ، ويطردونكم !!" .. هي في مقابلة هذه .. و هي أكبر من قوله: "من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر كذلك" .. و لكن القرآن قد وضع السلم لتحقيق هذه الغاية الرفيعة ، حين تركها الإنجيل معلقة في الهواء .. ثم تأمل الآية الأخيرة ، التي أوردناها: "و لمن صبر ، و غفر ، إن ذلك لمن عزم الأمور" .. تأملها ملياً ، بعد أن تتأمل الآيات التي سقناها قبلها..

إن الإسلام ، اذن ، بفكرة التوحيد ، التي تقوم على وحدة الخالق ، و وحدة الوجود ، و التي تجعل الإختلاف بين المظاهر المتباينة ، و المتعددة ، إنما هو إختلاف مقدار بين مظهرين من الشئ الواحد ، إستطاع أن يسقط العنف في أول الأمر ، و أن يسعى لتحقيق التسامح و المصالحة ، و المحبة في آخر الأمر .. و "الديالكتيك" الذي في إعتبار ماركس ، يقع بين المتناقضين ، و يجري فيه العنف ، هو في الإسلام عند النهايات ، حين يكون المتناقضان العبد والرب ، إنما يتخذ صورة الإعتراف ، و الندم على الأخطاء التي وقعت من العبد نحو الرب ، وظهر بها العبد قليل الأدب مع ربه .. هذا "الديالكتيك" يجري عن طريق الإستغفار ، ولا مكانة فيه إذن للعنف .. و لقد تحدثنا عن هذا في كتابنا: "تعلموا كيف تصلون" .. و خلاصة ما يقال هنا أن غرض "الديالكتيك" في الإسلام "إقرأ التوحيد" ، إنما هو إيجاد التناسق ، و التوافق ، و الإنسجام ، و المحبة ، بين المتناقضات .. هو إيجاد ، كل ، موحد ، متسق ، من المظاهر المختلفة في الوجود .. و هذه هي الصفة التي أعطت الإسلام القدرة على التوفيق بين الفرد والجماعة .. التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة و حاجة الجماعة إلى العدالة الإجتماعية الشاملة .. هذا في حين عجزت عن هذا التوفيق الماركسية ، و ظنت أن الفرد و الجماعة متناقضان ، و لا تتسق مصلحتاهما في كلٍ منسق متحد أبداً .. و إنما هو الفرد ، أو الجماعة .. فكان أن إهتمت بحقوق الجماعة ، و أهدرت حرية الفرد .. و في هذا العجز يكمن فشل الماركسية ..

و بالرغم عن كل ما يقال ضد الماركسية فإن لها أفضالاً لا يمكن التغاضي عن أهميتها ولا يمكن بخسها حقها .. و أيسر هذه الفضائل أنها قد هيأت الفرصة لمجئ ثورة الإسلام الثانية ، التي قلنا أن بها تتصحح المعادلة الماركسية تلك التي تقول: "العنف و القوة هما الوسيلتان الوحيدتان لتحقيق أي تغيير أساسي في المجتمع" ، و إنما يكون تصحيحهما بإسقاط العنف منها .. فإن الله ، تبارك و تعالى ، بمحض فضله ، ثم بفضل إظهاره ماركس في الآونة الأخيرة ، فقد سار الصراع الطبقي بذكاء ، و بعلمية ، جعلت القوة تتقدم وضرورة العنف تقل مما فتح الطريق لإسقاطه من الإعتبار تماماً . أو ، على الأقل ، لحده في نطاق ضيق ، عندما يراد إحداث تغيير في المجتمع .

و من ههنا ظهور ما يسمى ، في الوقت الأخير ، بالثورات البيضاء ، و هي الثورات التي يحدث بها التغيير من غير إراقة للدماء ، أو بإراقة للدماء تعتبر قليلة ، إذا ما قيست إلي الثورات في الماضي .. ليس معنى هذا أن الأفراد البشريين ، والمجتمعات قد إستغنت عن العنف تماماً ، و لكن معناه أن العنف قد أصبح مستهجناً من كثير من الناس ، مما يوحي بأن وقته قد آذن بزوال .. إن الإنسان المتمدين الذي يعيش على قانون الإنسان ، و يتخلص تماماً من قانون الغابة قد أظلنا عهده .. ونحن ، لنجعل مجيئه ممكناً ، وسريعاً ، إنما نحتاج إلى الدعوة إلى مجتمع سمح تقوم علائقه على قانون الإنسانية ، المتخلصة تماماً من رواسب قانون الغابة .. و هذه هي القوانين الدستورية التي تستمد من الدستور الإنساني "أقرأ الدستور الإسلامي" هذا على أن يكون الإسلام مفهوماً فهماً جديداً قائماً على نسخ آيات الفروع ، و بعث آيات الأصول .. فإنه ليس في آيات الأصول أي أثر لقانون الغابة .. و القانون الدستوري المستمد من هذا الدستور الإنساني هو ذلك القانون الذي يوفق ، في سياق واحد ، بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة ، و حاجة المجتمع إلى العدالة الإجتماعية الشاملة .. و الفرد فيه غاية في ذاته ، و الجماعة أكبر وسائل تحقيقه .. و لما كانت الوسيلة الكاملة طرفاً من الغاية الكاملة فقد وجب أن يكون مجتمعنا كاملاً .. و ليكون مجتمعنا كاملاً: يجب أن يقوم على ثلاث مساويات: المساواة الإقتصادية ، و هي الإشتراكية التي تتطور نحو الشيوعية ، حيث تكون خيرات الأرض مشاعة بين الناس. و المساوة السياسية ، و هي الديمقراطية النيابية التي تتطور نحو الديمقراطية المباشرة .. و المساواة الإجتماعية حيث يكون التزاوج ممكناً بين الرجال و النساء في جميع مستويات المجتمع .. تضاف إلى هذه المساويات الثلاث سماحة الرأي العام .. فقد يجب أن يهذب ، و يعلم الرأي العام بحيث يكون سمحاً ، حراً ، لا يضيق بأنماط الفكر الحر .. ثم أن إعدادنا المجتمع ، في هذا المستوى الرفيع ، لا يعدو أن يكون إعداداً للمسرح الذي يمثل فيه كل فرد دوره الفردي ، بمجهوده الفردي ، لإحراز كمالاته الفردية .. و لإنضاج فرديته التي ينماز بها عن أفراد القطيع .. و لابد لنا من منهاج تربوي ، إذن ، بممارسته يصل الأفراد إلى تحقيق هذه الفردية. هذا المنهاج هو تقليد "قدوة التقليد" ، محمد النبي الأمي ، الذي قال الله تعالى عنه: "قل إن كنتم تحبون الله ، فإتبعوني .. يحببكم الله" .. هذا المنهاج الذي يمارس على اديم أرض مملوءة عدلاً ، و علماً ، و سلاماً ، ومحبة ، هو الذي ينتج "الثورة الفكرية" .. فالثورة الفكرية هي قوة و إستقامة ، و مضاء ، وسرعة إنطلاق الفكر القوي ، يكشف الجهل ، وينفذ إلى دقائق العلم ، و يحرر صاحبه من الخوف ، و يسوقه سوقاً إلى حظيرة المحبة ، و الإنس .. الثورة الفكرية حرب لا هوادة فيها ، ضد الخرافات ، و الأباطيل ، و الأوهام ـ ضد الجهل في أي صورة من صوره ـ و هي ، من ثم ، إنتصار للأحياء ، و الأشياء .. الثورة الفكرية تجديد للحياة ، في مراقي الكمال ، متخلقة ، في ذلك ، بأخلاق الله ، الذي قال عن نفسه: "كل يوم هو في شأن " .. ثم ، أنه ، سبحانه و تعالى ، لا يشغله شأن عن شأن .. و إنما شأن الله تعالى هو تعليمه لخلقه ، و إظهاره ذاته لهم ليعرفوه .. و إنما شأن الإنسان الكامل هو أن يحسن التلقي عن الله .. و لما كان يوم الله ليس أربعاً و عشرين ساعة ، و إنما هو "زمنية " تجليه تعالى ، و ظهوره لعباده ، فإن هذه "الزمنية " لتدق حتى أنها ، عند التجلي الذاتي ، لتخرج عن أن تكون زمناً .. و هذا هو الذي يوجب على العارف أن ينتصر على الزمن ، و يرتفع إلى مقام الصلة الكبرى ، ذلك المقام المحمود الذي تحقق للنبي ، بمحض فضل الله تعالى ، و في تلك الجمعية الكبرى التي تمت له ليلة المعراج ، والتي قال عنها الله ، تبارك و تعالى: "إذ يغشى السدرة ما يغشى * مازاغ البصر و ماطغى" .. "إذ يغشى السدرة " محمد .. "مايغشى" من التجلي الذاتي على محمد .. "ما زاغ البصر و ما طغي" .. "البصر" الفكر .. "مازاغ" ما إشتغل بالماضي .. "و ماطغى" ، ما إشتغل بالمستقبل .. و معنى هذا أن ذبذبة بندول الفكر قد توقفت .. و معنى هذا أنه قد تم رفع حجاب الفكر ، فأصبح النبي قلباً كله ، أي تمت له الوحدة الذاتية ، في الوحدة الزمانية ، في الوحدة المكانية .. وهو قد عبر عن ذلك فقال: "ليلة عرج بي إنتسخ بصري في بصيرتي فرأيت الله" .. هذا هو المقام الذي توصل إليه "الثورة الفكرية" . و لقد كانت الثورة الفكرية في القرن السابع حظ النبي وحده ، دون سائر أمته .. لم يبلغها أحد سواه .. لا !! و لا أبو بكر !! و ذلك أن النبي قد كان بينهم غريباً .. و لم يكن منهم .. و لم يأتهم من الماضي ، و لا من الحاضر الذي يعيشونه ، و إنما أتاهم من المستقبل .. جاءهم ليسوقهم سوقاً رفيقاً ليكونوا مرحلة إنتقال تنجب أمة المستقبل .. و هذا هو معنى قوله تعالى: "يسبح لله ما في السموات ، و ما في الأرض ، الملك القدوس العزيز الحكيم * هوالذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ، و يزكيهم ، ويعلمهم الكتاب ، و الحكمة ، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين * وآخرين منهم لما يلحقوا بهم .. و هو العزيز الحكيم * ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .. و الله ذو الفضل العظيم " .. "الأميين" هم أمة البعث الأول .. "رسولاً منهم " إشارة إلى بشريتهم ، فهو بشر مثلهم .. "وآخرين منهم لما يلحقوا بهم" إشارة إلى امة البعث الثاني الذين سماهم النبي بالأخوان ، حين سمى أمة البعث الأول بالأصحاب ، و ذلك في حديث الأخوان المشهور ، وقد أوردناه كثيراً في مواضع شتى ، و ما يهمنا منه هنا قوله: "وا شوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد !!" أخذاً من قوله تعالى "و آخرين منهم لما يلحقوا بهم " .. و "لما" تنفي الماضي إلى اللحظة الحاضرة ، و توكد المجئ في المستقبل .. فمن مستوى "الأخوان" رجع النبي ليدرج "الأصحاب" .. من مستوى "المسلمين" رجع ليدرج "المؤمنين" .. فهو وحده قد كان "المسلم" بين "أمة المؤمنين" .. و هو لذلك قد كان طليعة "أمة المسلمين" التي لما تأت بعد ، و التي ، نحن الجمهوريين ، إنما نبشر بها اليوم ، في جميع ما نأتي و ماندع ، من أقوالنا ، و أفعالنا ... . و وسيلتنا إليها هي: "الثورة الفكرية" التي تتحقق ببعث: "لا إله إلا الله" من جديد ، قوية ، خلاقة ، تغير العقول والقلوب . و الطريق إلى بعث "لا إله إلا الله" من جديد هو تجويد تقليد "قدوة التقليد" حتى يفضي بنا تجويد التقليد إلى الإستقلال عن التقليد ـ إلى الأصالة ـ من ههنا جاءت دعوتنا إلى "طريق محمد" .. و جاء إخراجنا في هذا الطريق كتابنا: "طريق محمد" ..

لقد قلنا عن "الثورة الفكرية" ما يكفي ، في هذا المقام الضيق .. والحديث عن "الثورة الفكرية" فنونه كثيرة .. و لكن لابد لنا أن نكفكفه هنا .. و لا بد لنا من كلمة أخيرة .. هذه الكلمة الأخيرة هي: أن الفكر الثائر " هو "إكسير الحياة" ، الذي طالما هام به "الفلاسفة " و "العلماء" و "الفنانون" .. الفكر "الثائر" هو الفكر "السائر" إلى أصل الحياة الذي منه صدرت ـ إلى الله في إطلاقه ـ سيراً حثيثاً ، منطلقاً ، لا يلوي على شئ .. سيراً به تتجدد حياة الحي ، في كل جزئية ، من جزئيات الثانية الواحدة .. قال تعالى عن هذا السير: "و من كل شئ خلقنا زوجين .. لعلكم تذكرون * ففروا إلى الله !! إني لكم منه نذير مبين * ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر !! إني لكم منه نذير مبين !!" .. قوله تعالى: " و من كل شئ خلقنا زوجين" إشارة إلى الضدين .. إشارة إلى الطرفين .. إشارة إلى النقيضين .. قوله " لعلكم تذكرون" هذه هي العلة وراء خلق الأزواج . لأن الفكر لم يكن ليستطيع أن يميز ، و أن يدرك لو لا وجود الضدين .. . و بين الضدين تكون ذبذبة الفكر ، من النقيض إلى النقيض .. و لا يكون الفكر مسدداً ، و لا مستقيماً إلا إذا أصاب نقطة إلتقاء الضدين .. و هذا هو التوحيد .. توحيد النقيضين .. و قد أشار إلى هذا التوحيد في الآية الثالثة حيث قال: "و لا تجعلوا مع الله إلهاً آخر !! إني لكم منه نذيرمبين !!" يعني "فروا" ، من كل ماله ضد ، إلى من ليس له ضد .. "فروا" من الأكوان إلى المكون . هذه هي "الثورة الفكرية" التي عنيناها في مقدمة كتابنا: "لا إله إلا الله" الذي صدر في الخامس والعشرين من مايو عام 1969 ، و ذلك حيث قلنا: (و المرحلة الثانية من ثورة أكتوبر هي مرحلة الفكر المستحصد ، العاصف ، الذي يتسامى بإرادة التغيير إلي المستوى الذي يملك معه المعرفة بطريقة التغيير .. و هذه تعني هدم الفساد القائم ، ثم بناء الصلاح مكان الفساد ، و هي ما نسميه "بالثورة الفكرية" .. فإن ثورة أكتوبر لم تمت ، ولا تزال نارها تتضرم ، و لكن غطى عليها ركام من الرماد .. فنحن نريد أن تتولى رياح الفكر العاصف بعثرة هذا الرماد ، حتى يتسعر ضرام أكتوبر من جديد ، فتحرق نارها الفساد ، ويهدي نورها خطوات الصلاح .. و ليس عندنا من سبيل إلى هذه "الثورة الفكرية" العاصفة غير بعث الكلمة: "لا إله إلا الله" جديدة ، دافئة ، خلاقة في صدور النساء ، و الرجال ، كما كانت أول العهد بها ، في القرن السابع الميلادي ..)



http://www.alfikra.org/chapter_view_a.php?book_id=24&chapter_id=5




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الثورة الدينية عند الدكتور أحمد عبد المعطي حجازي والاستاذ محمود محمد طه
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: منتدى الحصاحيصا العام-
انتقل الى: