الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 الفيتوري: له في شعره شؤون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبدالله عبدالحفيظ ابوسن




مُساهمةموضوع: الفيتوري: له في شعره شؤون   الأحد 10 مايو 2015 - 4:11

عبد الله علي إبراهيم

لا أعرف مصيراً في الحياة والشعر أدل على توحشنا حيال الثقافة من مصائر الشاعر الراحل محمد الفيتوري. فتزاحمنا حتى وهو عند حافة دار البقاء نبغي أن يكون مثواه الأخير بينا لابين غيرنا. وهو الشاعر الذي استغنى عن القبر وخلع شاهده لأنه سيرقد:
في كل شبر من الأرض
أرقد كالماء في جسد النيل
أرقد كالشمس فوق حقول بلادي
مثلي أنا ليس يسكن قبرا.
وكان أشد الأصوات في هذا الزحام نكرا هو صوت سفير السودان الذي لم يرع لأسرة المرحوم حرمة حق دفن قتيلها وما فتيء يذكرها بحضور معاليه بتعليمات من رئاسة جمهورية السودان لنقل جثمان الشاعر ليقبر في السودان. وطلباً للستر المستحق سنتجاوز عن المزايدة الضارة التي أحدقت بجسد الشاعر العليل عن جوازه، وعلاجه، وسائر استحقاقته. فلا أعرف كاتباً في السودان غادرنا إلى دار البقاء في العقود الأخيرة لم نزعجه بهذه المزايدة العجفاء عند الحافة بين الحياة والموت. ولا ننسي اسقاطنا شقاقنا العقيم المؤسف عليه: هل كان عربي الوجه؟ هل كان أفريقي الوجه؟
إذا جسد المتنبي عبقرية العيش العصيب في كنف دول الأمارات التي تجزأت من الدولة العباسية فالفيتوري تجسيد لعبقرية جغرافيا الفراعنة الشعبويين الثوريين لما بعد خمسينات القرن العشرين. وليس أقل جرائر هذه النظم الشعبوية بحقه أنها جعلت منه شاعراً ثورياً برغم أنفه. فبتأميمها الثقافة باسم الثورة صارت الثورية هي اسم اللعبة. فأنت قد تطلبها فقط لأنها من سبل كسب العيش في النظم العربية المعروفة بالتقدمية
جاء الفيتوري للسودان خالي الوفاض من الثورية. جاء يملأ وظيفة رئيس تحرير مجلة "هنا أم درمان" الحكومية بترتيب ما بينه وبين محمد طلعت فريد فريد، وزير الاستعلامات والعمل بحكومة الفريق إبراهيم عبود (1958-1964) كما جاء في مقال وسيم عنه بقلم الأستاذ صديق محيسي الذي عرفه عن كثب في تلك الأيام. ولما نسيّ الفيتوري الدوائر الثورية الناشطة آنذاك ضد نظام الفريق عبود ( المسمى ب"عصابة 17 نوفمبر، يوم مولده) نَسيته. فلم يحتف أحد حتى بدواوينه الثورية الأفريقية. فمن طلب أفريقيا لوقتها وجدها عند "آسيا وأفريقيا" تاج السر الحسن أو "أنياب وأظافر" لمحي الدين فارس، أو من التراجم الإنجليزية مباشرة من منبع شعراء الزنوجة في مجلة "الوجود الأفريقي" كمثل ليوبولد سنغور، أو حتى من "جنوبيات" الشاعر الفحل محمد المهدي المجذوب. فلن تجد الفيتوري من مصادر مدرسة الغابة والصحراء في الستينات التي تحسست "أفريقية" السودان واحتفلت بها. ومتى ذكرته جاء ذلك على استحياء. ناهيك من أن الزنوجية الصارخة للفيتوري لم تكن مزاجاً لثوريّ سودان الوقت الذين راوحوا بين نظر طبقي أفريقي عربي تحرري.
قامت ثورة أكتوبر 1964 ضد نظام الفريق عبود وأطاحت به. ووجد الفيتوري نفسه في الجهة الخطأ من التاريخ. وظل يعتذر عن هذه "الزلة" طويلا. ولكن كانت المفارقة أن الشاعر الذي ماليء المستبدين في عصابة 17 نوفمبر هو الذي تغنت حناجر الثوار ضدها بنشيده العجيب "أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق". ولم يعد ثمة غلاط أن النشيد لم يكتب خصيصاً لثورة أكتوبر مثلما يمكننا القول عن "أكتوبريات" محمد المكي إبراهيم وهي الأعذب والأشجى مع ذلك. ولم تغر الثورة الفيتوري، ولا سابقته فيه مجازاً، أن يطلب الثورة في مظانها. بل نجده صار، متى استرددنا الديمقراطية، رئيساً لتحرير صحيفة حزب الأمة، الذي يقوده السيد الصادق المهدي على أيامنا هذه، المتهم بإنتكاسة الثورة ضمن آخرين. ثم ترك الفيتوري الأمة ليعمل بجريدة الناس التي يكفي في استرذال الثوريين لها أنهم متهمون بإغتيال صاحبها الملغز محمد مكي في بيروت بعد قيام دولة النميري في 1969. وبدا أنه قديم العهد بالجريدة. فنشر بها في 22 نوفمبر 1958 قصيدته "مولد ثورة" فرحاً بانقلاب عبود في 17 نوفمبر 1958:

لئن هزتك سخرية وسخطاً خيانات العصاة الخارجينا
ومهزلة الذين غدوا وراحـــوا بكل مقدساتك كافـــرينا
فقد أصبحت جبّار الليالي وكنت ضحية المتآمـــــرينا
فدتك الثورة الكبرى وكانت جنينك حين كنت لها جنينا
فدتك فسدت الأبواب يأساً عليهم بائعين ومشترينـــــا
وعرتهم ومـــــــزقت الخطايا فباتوا تحتها متجــــردينا
وفتحت الجفون على صباح أضاء فلم يدع حراً سجينا

ثم كان له احتكاك قصير بالسفارة الأمريكية بالخرطوم عرضوا عليه وظيفة ما براتب مغر. ووصف الفيتوري هذا العرض لاحقاً بأنه كان لشراء صوت شعري آخر.
لم يكن صعباً على شاعر في ذكاء الفيتوري أن يسترجع، وقد أطعم الثوار نشيداً لم يقصد به في المنشأ ما أنتهى إليه في المصب، القول المشهور "أعذب الشعر أكذبه". فصار بعض شعره الثوري مما يمكن وصفه ب"المصنع قبلياً لغرض" (بريفابريقيتد). فثار قبل سنوات نقاش طريف حول هذه الخصيصة الشعرية عند الفيتوري. فقال الأستاذ عمر شاع الدين إن الفيتوري مدح النميري في 1970 ثم هجاه بعد سقوطه في 1985 بقصيدة واحدة محورة وراثياً. فقد سمعه في القاهرة، وبحضور النميري، يباهي بثورة مايو، ثورة نميري، قائلاً:
أحلم ثم أنفض الدهشة عن عيني
استغرق في شعبي من يوقظني
من الذي يدق سجني؟ من يهزني
يخلقني، ينثرني حبة رمل في جبال وطني
يكتبني حرفاً صغيراً في نضال وطني
ثم ثارت انتفاضة إبريل 1985 بوجه نميري وخلعته. فقال الفيتوري يخطب ود الانتفاضة:
أحلم ثم انفض الدهشة عن عيني
استغرق في شعبي . . . من يوقظني
من الذي يدق بوابة تاريخي
يضيئني . . . يخلقني
ينثرني حبة رمل في جبال وطني
يكتبني حرفاً صغيراً في نضال وطني.
ولن تخرج الفيتوري من سوءة "سرقة نفسه" إلا حيلة التناص.
ليس الشاعر بريئاً مما اكتنفه من كدر أو سعادة. ولكن سيقصر فهمنا دون عبقريته إن لم نره عندنا في السودان وفي العالم العربي ضحية للحكومات الشعبوية وغير الشعبوبة من جهة ومعارضيها من الجهة الأخرى. فقد كشرت دولة النميري أنيابها له بعد قصيدته في رثاء عبد الخالق محجوب، الزعيم الشيوعي الذي أعدمته في 1971. وزعمت المعارضة أن نميري سحب جوازه السوداني، وهو ما لم يحدث. ثم لما سقط نميرى أكرمه اتحاد الكتاب والحكومة بدعوة ومهرجان. ثم قام نظام الإنقاذ في 1989 وما لبث أن دعى الفيتوري للسودان وقلده وشاح الفنون والآداب. فقامت قيامة المعارضة وكشرت أنيابها للشاعر. ثم رقد رقدته العصيبة قبل الممات فتنازعا (أي الحكومة والمعارضة) حوله. فأخذت المعارضة على الحكومة إهمالها الشاعر في محنته. واستعرضت الحكومة ما فعلت من أجله. فتنازعا وفشلا معاً في إعزاز الشاعر . وهذا توحشنا بانت أسنانه على الشاعر الكذوب، الصادق.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الفيتوري: له في شعره شؤون
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: منتدى الحصاحيصا العام-
انتقل الى: