الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 يا حمدي والله دي دراما فندقية وإستثمارية محبوكة بإتقان ... لكن الله في .. وتأكد بأنو ما حا يسيبك .. معقولة يا أخي ؟؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المحبوب أحمد الأمين




مُساهمةموضوع: يا حمدي والله دي دراما فندقية وإستثمارية محبوكة بإتقان ... لكن الله في .. وتأكد بأنو ما حا يسيبك .. معقولة يا أخي ؟؟    الإثنين 8 يونيو 2015 - 16:52











(( عبد الرحيم حمدي هذه الشخصية المثيرة للجدل وزير المالية الأسبق و الخبير الإقتصادي بطل تراجيديا خصصخصة مؤسسات القطاع العام، مهندس سياسة السوق المفتوحة و إنشاء سوق الخرطوم للأوراق المالية. قصص، روايات، و مقالات عديدة لاحقت سيرة الرجل لعل أبرزها علي ما أذكر مقال الأستاذ مصطفي عبد العزيز البطل الذي نُشر في سودانايل بتاريخ 9 أغسطس 2009 نقلا عن جريدة الأحداث بعنوان (عبدالرحيم حمدى: أخبار الأولاد وأخبار العباد) الذي استوحينا منه عنوان المقال و هو من أكثر المقالات الشيِّقة التي قرأتها ذلك الوقت. و من بين أكثر المعلومات المثيرة التي وردت في المقال و لم يكن لي علم بها قبل ذلك التاريخ هي أن السيد حمدي عند تعيينه وزيرا للمالية في بداية التسعينيات اختار فندق هيلتون الخرطوم مكانا لإقامته الدائمة على نفقة الوزارة. و في إحدي الإجازات الصيفية عام 2000 و قد كنت وقتها في بهو فندق هيلتون جالسا مع أحد الأصدقاء في إحدي كراسي الجلوس المواجهة للاستقبال لمحت السيد حمدي مرتديا الزي القومي و هو يتحدث بإحدي هواتف الفندق الموجودة علي يسار الاستقبال فقطعت حديثي مع صديقي و أشرت له برأسي أنظر عبد الرحيم حمدي يسار الاستقبال يتحدث في التلفون و ظللنا للحظات ننظر للرجل بحب استطلاع تبادلنا خلالها محاولات تفسير أسباب وجوده في الفندق و انتهينا لترجيح حضوره لاجتماع هام بإحدي قاعات الفندق أو لغداء عمل و لم يخطر ببالنا أن الرجل قد يكون مقيما بالفندق. و برغم أنها كانت مجرد لمحة عابرة لم تستمر غير لحظات عدنا بعضها لمواصلة حديثنا إلا أننا بعد فترة طويلة جدا من الحديث انتبهنا مرة أخري للسيد حمدي و هو لا يزال يتحدث بنفس الهاتف و علي نفس المشهد فتحول حب الاستطلاع إلي استغراب و تسأؤل مع من يا تري يتحدث الرجل كل هذه المدة الطويلة؟؟؟ و بامعان النظر في المشهد في لحظات صمت و تأمل في مشهد الرجل دون أن يبدو عليه أي مظهر من مظاهر البروتوكولات الرسمية التي تطغي علي مشهد السياسيين و رجال الدولة و هم في حالة استعداد لمقابلة وفد من الوفود أو بدء أحد الاجتماعات أو غيرها. و علي العكس فقد كان مشهد الرجل يوحي و كأنه متصالحا مع المكان و معتادا عليه. و علي الرغم من أن الرجل لم يعد وزيرا في ذلك الوقت حيث امتدت فترة وزارته علي ما أعتقد ما بين 1991م إلي 1993م و لكنه ظل حتي يومنا هذا أحد أهم أقطاب سلطة الإنقاذ النافذة و خبرائها الإقتصاديين الذين لا يفتي من بعدهم و لا يرد لهم طلبا أو يعصي لهم أمرا. و قد تكون فترة إقامته في فندق هلتون (حتي بعد أن ترك الوزارة) قد امتدت حتي ذلك الوقت فقد كان الرجل يتحدث في الهاتف لفترة طوية بكل هدوء و ارتياح و كأن الفندق بيتا خاصا له.

ظل الرجل منذ أن ترك عمله في مجموعة دلة البركة بعاصمة الضباب (لندن) و هو يستخدم كل ما أتيح له من قدرات للتخطيط و التنفيذ لمشروع الخصخصة يمثل الطرف الثاني في عقد المقاولة المبرم بينه و بين سلطة الإنقاذ و أذيالها من تجار المشروع الحضاري كطرف أول يقوم فيه الطرف الثاني بخصصة كافة مؤسسات القطاع العام و طرح أسهمها للطرف الثاني ممثلا في كياناته الشخصية و في المصارف و المؤسسات المالية و الشركات الخاصة المحلية التابعة لهم و بعض حلفائهم من المستثمرين العرب و الأجانب المنتمين للحركة الإسلامية و مؤسساتها مقابل أن يكون له نصيبا فيها كطرف ثاني من خلال ما يحصل عليه نظير تنفيذه للمشروع و ما يتمتع به من امتيازات و بنود صرف مفتوحة. هذا بجانب ما يعود عليه من خلال شركات الوساطة أو الإستشارات الخاصة به التي يقوم بتأسيسها لصالحه و هي تمثل جزءا لا يتجزأ من هيكل مشروع الخصخصة و مكملا له.

فالرجل بعد إنتهاء عمله في وزارة المالية عام 1993م أصبح رئيسا لمجلس إدارة بنك الإستثمار المالي و هو بنك إستثماري يقوم بإدارة المحافظ و الأصول و تنفيذ الإندماجات و الإستحوازات علي المؤسسات و الشركات و إعادة هيكلة مؤسسات القطاع العام و تسويق أسهما و إدراجها في سوق الخرطوم للأوراق المالية. فهو مؤسسة استثمارية ترتبط طبيعة عملها و مصالحها بسوق الأوراق المالية. و كلما توسعت الدولة في عمليات الخصخصة و ازداد عدد الشركات المدرجة في سوق الأوراق المالية كلما تضاعفت أرباح هذه المؤسسة الإستثمارية (أي بنك الإستثمار المالي) التي يعتبر حمدي أحد أهم مؤسسيها و حملة أسهمها و رئيسا لمجلس إدارتها.

لم يقف الأمر عند هذا الحد فقد أسس حمدي شركة الرواد للخدمات المالية و شركة إقبال للإستشارات و الاستثمارات المحدودة التي يرتبط نشاطهما بزيادة عمليات الخصخصة و رواج سوق الخرطوم للأوراق المالية. و قد أصبح رئيسا لمجلس إدارة شركة إقبال حتي تاريخ اليوم. و حتي يضمن نجاح مؤسساته المرتبطة بسوق الخرطوم للأوراق المالية تبؤأ الرجل منصب رئيس مجلس إدارة سوق الخرطوم للأوراق المالية خلال الفترة 1994 أي بعد عام من تركه للوزارة و مباشرة بعد عمله كرئيس لمجلس إدارة بنك الإستثمار المالي و ذلك حتي عام 2002م في أكبر حالة من حالات تضارب المصالح التي تحمل شبهة الفساد البيِّن. فكيف يكون رئيسا لمجلس إدارة سوق الخرطوم للأوراق المالية و هو يمتلك ثلاثة مؤسسات استثمارية مرتبطة بشكل مباشر بهيكل سوق الخرطوم للأوراق المالية بل أن بنك الاستثمار المالي و شركة الرواد شركات وساطة رسمية ضمن قائمة شركات الوساطة المعتمدة بسوق الخرطوم للأوراق المالية.

فقد كان إنتقاله لذلك المنصب في حقيقة الأمر من أجل استكمال بناء شبكته الاستثمارية التي تُراكم ثرواتها من خلال نشاط طفيلي يستنزف موارد الإقتصاد الحقيقي دون أن يقدم له شيئا شأنها شأن أي كائن طفيلي يعيش علي امتصاص رحيق الكائنات الحية دون أن يقدم لها نفعا. و لعل العقد الذي وقعه الرجل بصفته رئيسا لمجلس إدارة شركة إقبال الإستشارية في شهر مايو من هذا العام (كما أوردت الراكوبة في 2/5/2015م) مع جهاز تنظيم شئون السودانيين العاملين بالخارج لعمل دراسة جدوى فنية و اقتصادية لإنشاء بنك المغتربين إما بتأسيس بنك جديد أو تحويل بنك النيلين للتنمية الصناعية بالسودان لبنك المغتربين، او تحويل فرع بنك النيلين بابوظبى للمغتربين يأتي ضمن بند الإمتيازات الخاصة المنصوص عليها لصالح الرجل كطرف ثاني في عقد خصخصة مؤسسات الشعب.

و يأتي عقد بنك المغتربين ليس فقط كمخطط لخصخصة إحدي مؤسسات الشعب ممثلة في بنك النيلين للتنمية الصناعية فقط، بل أيضا لنهب مدخرات المغتربين و تسخيرها لمصلحة سلطة الإنقاذ و أذيالها من تجار المشروع الحضاري.
كما تأتي إذاعة حمدي الخاصة التي تنافس إذاعة أمدرمان و صرافة حمدي الخاصة التي تنافس بنك الخرطوم كما جاء في مقال الأستاذ الطاهر ساتي المنشور في الراكوبة بتاريخ 25 أغسطس 2014م بعنوان (سياسة التفقير) ضمن هذه الإمتيازات الخاصة التي يتمتع بها الطرف الثاني في عقد الخصخصة. و الصرافة المقصودة هي شركة الأمان للصرافة التي يعمل حمدي رئيسا لمجلس إدارتها. هذا بجانب رئاسته لمجالس إدارات شركة موتف فورس للطيران و ميداير لاينز بعد استكمل تراجيديا خصخصة شركة الخطوط الجوية السودانية.

قصة مثلث حمدي (و هي خارج نطاق موضوع هذا المقال) تأتي ضمن مخططه الرامي في الأساس لتطوير شبكته الاستثمارية فقد كان الرجل يعتقد بأن تقسيم البلاد قد ينهي الحروب و الأزمات و يتهيأ المناخ الملائم لرواج نشاطه الطفيلي. فنشاط مؤسساته الاستثمارية ليس له أي ارتباط بالقطاع التقليدي و مناطق الحروب الأهلية سواء كان في الجنوب أو في دارفور أو في جنوبي جبال النوبة و النيل الأزرق لأنه بكل بساطة نشاط ليس له إرتباط حقيقي بالإقتصاد الحقيقي الذي يمثل القطاع التقليدى الجزء الأكبر فيه. فنشاطه في الحقيقة لا يتعدي حدود مثلثه المشئوم بل لا يتعدي فقط حدود سوق الخرطوم للأوراق المالية و هو نشاط طفيلي لا يتعرض فيه صاحبه لخسارة لأنه يقوم علي مبدأ الوساطة و السمسرة و يمكن أن يتم تأسيسه بأقل رأس مال ممكن أو بدون رأس مال في كثير من الأحيان و يعتمد بشكل أساسي علي العلاقات الخاصة بأجهزة الدولة و دهاليزها و رجالاتها المتنفذين فما بالك إذا كان صاحب النشاط هو حمدي بجلالة قدره الذي لا يفتي من بعده و لا يرد له طلبا أو يعصي له أمرا.

و لعل سكن الرجل في فندق هلتون لفترة طويلة و عيشه حاليا في (بيت إجار) حسب تصريح الرجل نفسه في إحدي حلقات برنامج فوق العادة مع ضياء الدين بلال دون أن يسعي لإمتلاك منزل برغم هذا الكم من الشركات و المناصب الرفيعة و الإمتيازات التي يتمتع بها ضمن عقد الخصخصة إنما يفسِّر يقين الرجل بأن ما يفعله هو سمسرة و متاجرة بمؤسسات الشعب لمصلحته و لمصلحة الإنقاذ و أذيالها و المتحالفين معها و بالتالي يجب أن تظل حقيبة سفره جاهزة لمغادرة البلاد في أول هبَّة ثورية هو أكثر الموقنين بحتميتها الوشيكة. فهو و غيره من منسوبي المؤتمر الوطني يعيشون منذ لحظات الإنقلاب الغاشم في يونيو 1989م و حتي يومنا هذا حالة من الذعر و الهلع و التململ أشبه بحالة الدواب التي عُرِفت دائما بأنها تحس بهيجان باطن الأرض و تستشعر قرب إنفجار الزلازل و البراكين قبل البشر و تبادر بالرحيل بحثا عن ملاذ آمن قبل انفجار البركان بوقت كافي و هذا ما حدث بالفعل في كل الإنفجارات الأرضية الشهيرة و آخرها كارثة نيبال التي كانت فيها الدواب من أوائل الناجين.

لم ينتهي الأمر عند حمدي كخبير اقتصادي (كما يُدَّعي) بل تعداه إلي حمدي خبير الإفتاء الشرعي. فقد ورد في الراكوبة بتاريخ 29/4/2015م نقلا عن (سونا) بعنوان (عبد الرحيم حمدي: انشاء سوق يسمى سوق مابين البنوك يقوم عليه مجموعة من ثلاثة مفوضين) أن الرجل اقترح في ورقته التي قدمها في الندوة العالمية حول سوق مابين المصارف بقاعة الصداقة إنشاء سوق يسمي سوق ما بين البنوك يقوم عليه ثلاثة مفوضين أحدهم من بنك السودان و أخر ممثل للبنوك و خبير اقتصادي يرأس المجلس و يكون مقره في بنك السودان نفسه و يتكفل البنك المركزي و البنوك الأعضاء بتكاليفه و تتلخص مهمته في تلقي طلبات الإقراض و الإقتراض لمن يرغب من البنوك الأعضاء و البت فيها. و أن القرض في المعاملات الإسلامية يجب أن يكون قرضا حسنا بلا فائدة و أنه يجوز فقط أخذ أجر علي كتابة القرض كما يجوز التدرج في في حجم أجر كتابة العقد و يجوز للبنك المركزي أن يقوم بعملية ضمان القروض علي سبيل التبرع كطرف ثالث.

صحيح ما قاله الرجل بعدم جواز أخذ فائدة علي القرض فعقد القرض في فقه المعاملات الإسلامية يعتبر أحد عقود التبرعات التي لا يجوز أخذ مقابل أو تلقي منفعة مقابلها (فكل قرضا جرَّ نفعا فهو ربا) علي قول المصطفي عليه الصلاة و السلام و أن تحريم الربا في القرآن يعتبر تحريما قطعيّا لا شك فيه. و صحيح أيضا ما قاله الرجل من جواز أخذ أجر علي كتابة القرض حيث أن القرآن نص علي ضرورة كتابة العقد في قوله تعالي في سورة البقرة الآية (282) ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) صدق الله العظيم.

و لكن فكرة استخدام أجر كتابة العقد كبديل للفائدة أو الربح الذي يتقاضاه البنك يدخل في باب (الحِيَّل) التي تهدف في الأساس للتحايل علي الربا بعدة طرق. و قد وقعت المصارف الإسلامية كما يجمع العديد من الفقهاء و العلماء من أمثال (القرضاوي، تقي الدين عثماني، عبد الرحمن المنيع، سالم السويلم و غيرهم) و من و روَّاد الإقتصاد الإسلامي من أمثال (بركات، منذر قحف، عبد الرحمن يسري، مُعبِد الجرحي، محمد الجمال و غيرهم) و من المجامع الفقهية و علي رأسها محمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة الدول الإسلامية بمكة المكرمة.

و السبب الرئيسي في هذا الإنحراف ينبع من كون المصارف الإسلامية لا يجوز لها استخدام الوسائل التقليدية في سوق ما بين البنوك أو ما يعرف بال (Inter-banking) الذي تتبادل فيه البنوك فيما بينها و تحت رقابة و إشراف البنوك المركزية بالإقراض لاستثمار سيولتها الفائضة أو الإقتراض لسد عجز مؤقت في سيولتها و عادة ما تتم هذه العمليات علي المدي القصير جدا و الذي تصل في بعض الأحيان لما يعرف بال (overnight) و التي تتم فيها العملية في أقل من 24 ساعة. بالنسبة للبنوك التقليدية ليس هنالك مشكلة لأن القرض بفائدة هو أساس معاملاتها. أما بالنسبة للبنوك الإسلامية فلا يمكن تبادل القروض بفائدة (باعتبار أن عقود التمويل الإسلامي تقوم علي تبادل سلع حقيقية) مما اضطرها للجوء لما يعرف في الفقه الإسلامي بالحيَّل فعلي سبيل المثال تستخدم المصارف فيما بينها ما يعرف بالتورق المنظم و التورق العكسي في سد إحتياجاتها من السيولة عن طريق مرابحات السلع و المعادن من الأسواق العالمية حيث يتقدم البنك الذي يحتاج لسيولة بطلب لبنك إسلامي أخر لشراء سلع و معادن و يقوم البنك الآخر بشراء السلعة و بيعها له بيع آجل بموجب عقد مرابحة و في ذات الوقت يفوض البنك طالب السيولة البنك الممول بإعادة بيع السلع و المعادن في الأسواق العالمية نيابة عنه بيعا حاضرا و تقييد حصيلة البيع في حسابه الجاري و عادة ما تتم إعادة البيع بسعر أقل من قيمة عقد البيع الآجل الذي تم بين البنك طالب التمويل و البنك الممول و لا تستغرق هذه العملية أقل من دقائق أو ساعات محدودة جدا تنتهي بتقييد المبلغ في حساب البنك المقترض. و يعرف ذلك أيضا بالتورق العكسي إذا كان البنك الممول هو طالب السيولة. و هو ما يعرف بين السودانيين بعمليات (الكَسِر). فقد تم تحريم التورق المنظم و التورق العكسي من قبل مجمع الفقه الإسلامي في دورته التاسعة عشر بالشارقة في أبريل 2009 و ذلك بقراره الذي نص صراحة علي (لا يجوز التورقان (المنظم والعكسي) وذلك لأن فيهما تواطؤًا بين الممول والمستورق صراحة او ضمنًا او عرفًا تحايلًا لتحصيل النقد الحاضر بأكثر منه في الذمة وهو ربا). و بالتالي فإن فتوي السيد حمدي مردودة عليه لأنها تقوم علي مبدأ التواطؤ بين أطراف العملية للتحايل علي الربا و يمكنه الرجوع إلي (مجموعة الفتاوي لشيخ الإسلام ابن تيمية المجلد الخامس عشر – فقه البيع و الصلح – باب الربا)، و كتاب (إحياء علوم الدين للإمام الغزالي – باب كتاب آداب الكسب و المعاش) و كذلك كتاب ( الموطأ للإمام مالك - باب البيوع) و غيرها من كلاسيكيات فقه المعاملات إن تبقي له حيٍّزا للبحث و الإطلاع.

و لعل الهدف الحقيقي لورقة الرجل و إقتراحه يتلخص في الجزء الأول منه القائل (إنشاء سوق يسمي سوق ما بين البنوك يقوم عليه ثلاثة مفوضين أحدهم من بنك السودان و أخر ممثل للبنوك و خبير اقتصادي يرأس المجلس و يكون مقره في بنك السودان نفسه و يتكفل البنك المركزي و البنوك الأعضاء بتكاليفه) فكما يقول عرب الجزيرة العربية (الكلمة التي تستحي منها بدّها الأول) فهذا الجزء الذي جاء في صدر اقتراح الرجل هو الذي يستحي منه لأنه في الحقيقة يكشف هدفه النهائي من وراء الإقتراح و اللبيب بالإشارة يفهم. فالرجل بكل بساطة يمهد لنفسه منصبا جديدا (كخبير إقتصادي مرشح لرئاسة المجلس المقترح) يجر له مزيدا من المنافع و الإمتيازات التي لا يمل السعي ورائها و يجعله مضطلعا علي أسرار البنوك و متحكما في إدارة سيولتها و علي إتصال دائم بمجالس إداراتها و يستخدم بالتالي كل ذلك في في تطوير شبكته الإستثمارية و هذا أيضا إن تم يعتبر أيضا أحد جرائم تضارب المصالح.

سوق ما بين البنوك لا تحتاج لمجالس و لم يحدثنا تاريخ الصناعة المصرفية عن إنشاء مجالس لإدارتها. فتبادل السيولة بين البنوك لاستثمار السيولة الزائدة لبعض البنوك في إقراض البنوك التي تواجه عجزا علي المدي القصير. و هي سوق تتم تحت رقابة و إشراف البنوك المركزية و لها تعليمات إشرافية و ضوابط تُقيِّدِها و تنظمها صادرة عن البنوك المركزية و لها ارتباط وثيق بالإحتياطيات الإلزامية التي تحتفظ بها البنوك التجارية كودائع في البنوك المركزية. و حتي في البلدان التي قطعت شوطا طويلا في الصناعة المصرفية و قدمت نماذجا متطورة لها مثل ماليزيا و دول الخليج العربي و باكستان لم يتم تأسيس مجالس لإدارة سوق ما بين البنوك. و لكنه الخبير الإقتصادي حمدي و أمثاله من الخبراء الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف و الذين يسخِّرون عقولهم و علمهم و خبراتهم لخدمة مصالحهم و مصالح الحكام و الجلادين و الطغاة المفسدين و هذه قضية كبيرة اسهمت إسهام كبير في تدمير بلادنا و الوصول بها لواقعها المرير الذي تعيشه اليوم.

فقد آن الأوان الذي نفرِّق فيه بين حمدي الخبير الإقتصادي الذي كرَّس فيه كل خبرته و سخَّرها لتدمير مؤسسات الشعب من أجل خدمة مصالحه الخاصة و مصالح المفسدين و بين الآلاف من الشرفاء الذين شُرِدُوا و زٌجَّ بهم في غياهب السجون و المعتقلات و تم تعذيبهم و تشريدهم و دفعهم للرحيل. (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) صدق الله العظيم


الهادي هباني / الراكوبة

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المحبوب أحمد الأمين




مُساهمةموضوع: رد: يا حمدي والله دي دراما فندقية وإستثمارية محبوكة بإتقان ... لكن الله في .. وتأكد بأنو ما حا يسيبك .. معقولة يا أخي ؟؟    الإثنين 8 يونيو 2015 - 17:07



عبدالرحيم حمدى:
أخبار الأولاد وأخبار العباد ...
بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل

(1)

(تقول العرب: ام الجبان لا تفرح ولا تحزن. وانا زعيمٌ بأن عبد الرحيم حمدى سيورث أمه الحزن والفرح). بهذه الكلمات وصف الاستاذ بدرالدين سليمان، أحد دعامات النظام المايوى الغابر، الرمز الحركى الاسلامى، والخبير الاقتصادى الدولى، ووزير مالية الانقاذ الاسبق الاستاذ عبد الرحيم حمدى، وذلك عندما عرضت عليه صحيفة (ظلال) فى منتصف التسعينات أسماء عدد من الشخصيات العامة وطلبت اليه ان يوجز رأيه فى كلٍ منها. ويبدو أن بدرالدين كان يشير تحديدا الى سياسات التحرير الاقتصادى التى ابتدرها حمدى عهدذاك وتولى كبرها فى مواجهة تحدياتٍ سياسية واجتماعية وأمنية تندُّ عن الحصر. وقد عرفت عندما قرأت تلك العبارة، أو بالاحرى عندما سمعتها، فقد كنت حاضراً ومستمعاً الى الحوار الذى أجراه الصحافى فيصل الباقر (نائب رئيس تحرير صحيفة "الميدان" الحالى) مع السياسى المايوى الذي تأنقذ لاحقا فصار سياسيا انقاذيا، عرفت اننى لن أنساها قط فأنا أتعشق مثل هذه المقولات التراثية العبقرية التى تجد طريقها الى قلبى دائما فى يسر وخفة، ثم تستقر بعد ذلك فى مطارف وحشايا ذاكرتى.

وأذكر أنه قفزت الى ذهنى وقتها وألحت علىّ خاطرةٌ، بذلت جهدا جهيدا لطردها، اذ لم أشأ ان اتداخل بين المتحاورين. خطر لى ان أسأل بدرالدين، الذى تغنى بشجاعة حمدى وسعى الى تأصيلها فى تراثنا العربى، عما اذا كان يعلم عن ممدوحه الرمز القيادى الحركى الاسلامى، أنه كان قد تم اعتقاله مع غيره من زعماء جبهة الميثاق الاسلامى صبيحة انقلاب النميرى عام ١٩٦٩، وبينما بقى بعض هؤلاء فى غيابات السجون سبع سنوات حسوماً، فإنه لم يُطق (فكرة) الحبس ولم يصبر على بلاء السجن الا أياما معدودات، مع ان اخوتنا فى شمال الوادى يقولون: (السجن للجدعان)، وافق حمدى بعدها مباشرةً على إصدار بيانٍ كتبه وذيله بتوقيعه، اذاعه راديو وتلفزيون ام درمان ونشرته صحف الخرطوم، يعلن فيه مباركته وتأييده للانقلاب الذى كان يومها أحمراً فاقع الحمرة ووصف فى بيانه قادة الانقلاب بأنهم رجال حملوا ارواحهم على اكفهم فداءً لوطنهم. وربما شاء وزير العدل الحالى، الاستاذ عبد الباسط سبدرات، ان يصححنى إن كنت مخطئاً، إذ اقول انه هو الذى وقف بنفسه على ذلك التدبير السياسى الامنى الجهنمى، وكان يومها سكرتيرا لرجل الانقلاب القوى ووزير داخليته المغفور له الرائد فاروق عثمان حمد الله. غير أنه ينبغى علىّ أن ابادر هنا فأسجل اعترافا صريحا بأن الافكار والظنون التى راودتنى إبتداءً فى مقام تفسير هذا الموقف، والتى تفارق بطبيعة الحال توصيف بدرالدين مفارقة الطريفى لجمله، تبدلت عندى لاحقا فعاد الجمل الى صاحبه بعد ان تكشفت لى ولغيرى - على صعيد الممارسة السياسية -  جوانب واسعة من شخصية حمدى الحقيقية. الرجل ليس رعديداً. كل ما فى الامر انه يحمل بين كتفيه رأسا يفكر وفق نهج براغماتي  محض. والبراغماتية (فلسفة أمريكية المنشأ تعرف ايضا باسم الواقعية النفعية) فاشيةٌ عند نسبة مقدرة من اهل المعسكر الاسلامى. وهى بلا شك فلسفةٌ منهجيةٌ خطيرة، ولكنها ليست شراً كلها.

(2)

لم استغرب حين رددت مجالس الخرطوم خلال الاشهر الاولى من تولى الاستاذ حمدى لمنصب وزير المالية فى بداية فى التسعينات روايات تقول بأن الرجل جعل من فندق هيلتون الخرطوم مسكنا له، يقيم فيه على نفقة الوزارة إقامةً دائمة. وكانت مجالس العاصمة تستنكر وتستبشع اختيار الرجل لفندق هيلتون مسكنا له على نفقة دافع الضرائب المقهور، فى وقت كان قد شرع فيه بهمةٍ زائدة فى إنفاذ اجراءات اقتصادية تحريرية شديدة الوقع، ممعنة فى القسوة طحنت عامة الناس طحناً، حتى ضاقت عليهم الارض بما رحبت وبلغت المسغبة والضنك بهم كل مبلغ. لم استغرب اذ كان قد استقر فى ذهنى ان الرجل لا يلف ولا يدور اذ اختار فندق هلتون مسكنا له، فهو بكل بساطة – ويشهد عليه تاريخ شفيف كالبللور- لا يُحب لخويصة نفسه المكابدة والمناهدة والتعب، ولا يؤمن بقول ابى العلاء: ( تعبٌ كلها الحياة .... ). لا يفوقه فى ذلك – من جماعة المعسكر الاسلامى – الا شخصية بارزة كان لها – تماما مثل الاستاذ حمدى - وجودٌ نافذ فى مضمار تأسيس البنوك الاسلامية وان عرفت فى مراحل سابقة بحمل الوية النشاط الثقافى، ولكن نجمها ارتبط تاريخياً اوثق رباط بملحمة حل الحزب الشيوعى السودانى عام ١٩٦٦. قصد هذه الشخصية فى مدينة جدة السعودية فى منتصف السبعينات بعض قادة الجبهة الوطنية من الفصيل التنظيمى الاسلامى ليبلغوه قرار التنظيم بتكليفه بالسفر الى برارى اثيوبيا وصحاري ليبيا للنهوض بأعمال ذات طبيعة عسكرية فى المعسكرات السرية الجبهة الوطنية، وكان يقيم فى تلك المعسكرات بعض عتاة الاسلاميين كالاستاذ عثمان خالد مضوى وغيره، يشرفون على التدريب العسكرى لجماعات الانصار والاسلاميين التى قامت لاحقا بتنفيذ الهجوم المباغت الذى قاده المرحوم العميد محمد نور سعد على الخرطوم فى الثانى من يونيو  ١٩٧٦، وانتهى بمصرعه ومصرع اعداد كبيرة من رجاله، رحمهم الله، على يد الجيش السودانى. أجفل الرجل واضطرب ثم قال لزائريه من مبعوثى التنظيم: ( والله ليس أحب الى نفسى من أن استجيب لنداء الجماعة وان أهبّ الى الجهاد، ولكننى والحق اقول شديد التمسك بسنة الرسول "ص" وأرغب فى أن اتبعه فى كل شئ حتى فى طريقة مماته. وكما تعلمون فقد مات الرسول بالحمى وهو على فراشه، وانا لا ابتغى لنفسى ميتةٌ غير تلك، بالحمى وعلى فراشى، فأكون قد تأسيت بالرسول الكريم فى سيرة حياته ونهج مماته. فاعفوني من هذا التكليف). وخلال ربع قرن بعد ذلك التاريخ ظل شيوخ الحركة الاسلامية يتندرون بهذه الواقعة فيما بينهم، حتى اذا ما جاءت المفاصلة اندلقت الاسرار والخفايا وتهتكت أمانات المجالس!






وقد اتضح لى مؤخراً من إجابات الاستاذ عبد الرحيم حمدى على بعض أسئلة وُجّهت له فى اطار حوار مطول أجراه معه مؤخراً رئيس تحرير صحيفة الرأى العام الاستاذ كمال حسن بخيت، أن الرجل الذى لا يخشى فى (الراحات) لومة لائم، يحب لاولاده، فلذات اكباده، أيضاً ما يحب لنفسه وأكثر. ولذا فهو يريد ان يجنبهم بدورهم التعب ومكابدة إبتلاءات الحياة ومكائدها. ففى اطار ذات الحوار وجه اليه كمال السؤال التالى: ( فيم تفكر الآن يا استاذ حمدى؟). وجاءت الاجابة: ( أفكر فى ان اترك لاولادى شيئا يتعيشون به قبل ان اغادر هذه الدنيا الفانية. لدى فكرة بنك جديد وقد تكرم بنك السودان علىّ برخصة. وأيضا يمكن تطوير بعض الشركات القابلة للتطوير والاذاعة). قرأت وتأملت ثم قلت لنفسى: يا سلام، تلك هى الابوة ولاّ بلاش.. ونِعْم الوالد.. بنك مرة واحدة؟! بنك كامل يوصف بأنه " شئ يتعيش به الاولاد"؟ لابد ان هذا البنك يحتاج الى تسمية. انا اقترح على الاستاذ حمدى ان يطلق عليه اسم " بنك الأولاد ". ترحمت بعد ذلك على والدى ورجوت له من الله المغفرة، كونه غادرنا الى الدار الآخرة وتركنى وشقيقى اسامة دون بنك، او حتى طابونة (نتعيش) منها.

لم يشق علىّ فهم الجانب الاكبر من بقية الاجابة ( .. وبعض الشركات القابلة للتطوير والاذاعة) إذ هى أيضا جزء مما يرغب حمدى فى تركه لأولاده من حرث الدنيا. هو يبتغى بحوله تعالى ان يعمل على تحسين أداء بعض شركاته بحيث يتركها بعد عمر طويل لاولاده وهى فى حال عامر ومنتج ومربح فيعتاشون منها أيضاً – الى جانب البنك – ويأكلون هنيئا مريئاً. سهلة هذه. غير أن الذى استعصى علي إستبار مغزاه هو كلمة ( .. والاذاعة)، التى جاءت فى نهاية سلسلة الاستثمارات الربحية التى يزمع حمدى تركها لاولاده. سألت أهل الذكر فجاءتى الاجابة متهادية: الاستاذ حمدى يمتلك محطة اذاعة. أى والله. اذاعة عديل كدة. لم اكن على علم بذلك. قاتل الله أمريكا وغربتها التى حجبت عنا أخبار الامبراطورية الحمدية، وحالت بيننا وبين الانتفاع ببرامج اذاعتها البراغماتية. قيل لى ان الاذاعة اسمها "الاقتصادية". ما شاء الله. اللهم يا وهاب يا رزاق، زد وبارك، واجعل كل بيوتنا السودانية فى مشارق الوطن ومغاربه مثل بيت الاستاذ حمدى، يظللها الحب وترعاها الابوة وتدعمها الشركات والاذاعات، وتسند مستقبل أبنائها البنوك. آمين.

وبعد، فليس من اللياقة ان نحوم حول حمدى ونتقصى أخبار اولاده واستثماراته وشئونه الخاصة اكثر من هذا. ولو فعلنا لاتهمنا بالحسد. ولسنا وأيم الله من الحاسدين. الحسد هو تمنى زوال نعمة الغير، وهو مكروه. ولكننا نغبط حمدى، والغبطة مستحسنة، ومعناها فى اللغة تمنى نعمة الغير. أى ان تنال انت مثلها دون ان يزول عن صاحبها شئٌ مما عنده. وأنا اذ أغبطه اتمنى من الله ان يسبغ علىّ كل النعم التى أفاء بها عليه، ما عدا البراغماتية والاذاعة، اذ ليس لى فيهما إربةٌ ولا صالح.

(3)

ولكن الامر يختلف تماما اذا خرجنا من بيت حمدى الصغير الى بيت الوطن الكبير. وتركنا أخبار الاولاد، التى زودنا بها حمدى بصراحة وشفافية منقطعة النظير، لنسأل عن أخبار العباد فى طول السودان وعرضه. وقد استفاض الرجل فى تزويدنا بها كذلك بغير مواربة أو مداورة. ولكن الصورة هنا تجدها وانت تقرأ تصريحات الرجل فى حواره مع (الرأى العام) أقل بهاءً ورونقاً وجاذبية. بل لعلها، بوضوح أكثر وبغير تنميق، صورة سيئة وبشعة وكارثية لا تسر صديقا ولا عدواً. الحقيقة من وجهة نظر صاحبنا هى ان السودان حاضره أغبر ومستقبله فى كف عفريت. هاك – يا رعاك الله - نماذج مما قاله القيادى الحركى الاسلامى ونشرته على لسانه "الرأى العام": (الحكومة تكاد بالكاد توفى بالتزامات المرتبات، أما التزامات التنمية فقد توقفت، والتزامات التسيير بالولايات ستتوقف). ثم: ( ستزداد حدة الازمة ... أداء الربع الاول كانت نسبته سبعين فى المائة، الربع الثانى سيكون اصعب، اما الثالث فستسوء الامور أكثر، أما الرابع فربما لا يأتى أصلا). وأيضا: ( لا يوجد نشاط اقتصادى يبرر زيادة الضرائب .. وإذا لم يستطع القطاع الخاص أن يدفع الضرائب فإن الحكومة ستغرق). و( الآثار على المالية العامة كارثية، لأن مالية الدولة مبنية على البترول بنسبة خمسين فى المائة... وأنا اعتقد ان اسعار البترول ستنهار). ( الشمال سينتهى الى انه يدير بيروقراطية عسكرية ومدنية هائلة جدا بلا موارد. والميزانية ستكون كارثة). ويكرر حمدى: ( المشكلة فى المرتبات والتحويل للولايات، كما ان التنمية توقفت تماما.... وستزيد العطالة وهى اخطر من التضخم). واذا لم تكن خفقات قلبك قد تضاعفت والأدرينالين قد سرى فيك مسرى الدم، أيها العزيز الاكرم، فخذ كلمات حمدى هذه فى تقويم الوضع الاقتصادى العام: ( لا شك ان الأمر فظيع للغاية). أما فى مجال تقويم حال السودان كله فإليك هذا المقتطف من حديثه: ( هل ترى الآن اى افكار مطروحة فى الساحة؟ ليست هناك أفكار .. لماذا لا يريد الناس ان يفكروا. البلد كأنها سفينة منزلقة نحو شلال)!

الحكومة ستغرق؟! البلد منزلقة نحو شلال؟! ليست هناك افكار؟! الأمر فظيع؟! سبحان الباقى الحى. خربتها وقعدت على تلها يا استاذ حمدى؟ ألم تكن انت فيلسوف ومهندس كل السياسات الاقتصادية التى شُيّدت فوقها أهرامات الانقاذ؟ ثم لمن توجه هذا الكلام أساسا؟ الينا نحن عامة الشعب؟ واحنا دخلنا ايه؟ ولكن حدثنا اولا: كيف يستقيم هذا التوصيف للاوضاع الاقتصادية فى البلاد مع ما حدثتنا عنه من خطط لاستثمار أموالك وأموال أبنائك وتوجيهها لانشاء البنوك وتفعيل الشركات وتطوير الاذاعات، وأنت شيخ البراغماتيين؟! ولو كان الامر كما تقول فما هو هذا الذى نسمعه ونشاهده فى تلفزيون الحكومة آناء الليل واطراف النهار؟ فبعض ما يردده الاعلام الرسمى كاد يوهمنا بأننا اعتلينا ذرى المجد وعانقنا الجوزاء، وأننا قاب قوسين او أدنى من إنزال أول انسان سودانى على سطح القمر، ثم اذا بحمدى يباغتنا بأن العصبة المنقذة عاجزة عن دفع مرتبات العمال والجنود وان الوضع (فظيع) وان الحكومة (ستغرق). طيب، الحمد والشكر لله، أنا عندى حكومة اخرى (ووتر بروف) يقودها باراك ابن عمى حسين اوباما. ولكن اذا غرقت حكومتى السودانية وفقا لتوقعات حمدى، فماذا فسيفعل أفراد الشعب الذين لم يكرمهم الله مثلى بحكومة (احتياطى)؟ ولكن، دقيقة، والله فكرة. لو كان الحال كذلك فلماذا لا ينتظر استاذنا فاروق ابوعيسى وزمرته من المرابطين تحت قبة البرلمان لبعض الوقت، فالمسألة بحسب حمدى مسألة وقت، حتى (تغرق) الحكومة، فيهبون هم لاستلام السلطة تحت شعار: (بركة يا جامع)، ولا خروج الى الشوارع ولا دستور ولا غلبة ولا يحزنون؟! الا يبدو هذا السيناريو أكثر واقعية وأقرب للتحقق من سيناريوهات التغيير البوهيمية الاخرى، فقد قال حمدى ان الحكومة ستغرق اذا فشلت فى تحصيل الضرائب، ولكنه كان قد قال لمحاوره قبل ذلك مباشرةً انه لا يوجد اصلا نشاط اقتصادى يبرر زيادة الضرائب وتحصيلها. واذا قال حمدى فصدقوه، فإن القول ما قال حمدى!

ومع ذلك فاننى لم استغرب للصورة القاتمة التى رسمها حمدى للمشهد الاقتصادى. فبعض قادة العصبة المنقذة يعترفون علانيةً بضراوة التحديات الاقتصادية التى يواجهونها، ونحن نعلم أن وزير المالية والاقتصاد الوطنى كان قد بعث بخطاب لادارة صندوق النقد الدولى يعترف فيه بالحالة المتردية التى آل اليها الاقتصاد السودانى، ويطلب تعاون الصندوق لاجتياز الظروف الراهنة الصعبة، بل مضى الوزير قدماً فأبدى موافقة الحكومة على وضع برامجها الاقتصادية تحت مراقبة الصندوق خلال الثمانية عشر شهرا المقبلة. ولكننا نعلم ايضاً ان الاستاذ عبد الرحيم حمدى كان من مبتدرى الممارسات التى طالما فاقمت الاوضاع بدأبها على وضع العربة أمام حصان الاقتصاد حتى استقر فى الاذهان انها ممارسات مقبولة وجائزة، ففى عهده  وتحت سمعه وبصره ومباركته  ولدت واستشرت ظاهرة نقل ملكية الشركات والمؤسسات والمرافق الفاعلة والمنتجة والرابحة الى المستثمرين المحليين والاجانب بعد تقويمها دفترياً بأقل من قيمتها الواقعية. فلا غرو ان انتهينا الى عقائد اقتصادية يتم بموجبها توقيع عقد بثلاثين مليون دولار لتوسيع شارع النيل بالخرطوم فى وقت تسبح فيه العاصمة داخل مياه المجارى؛ ويجرى معها خصخصة جميع معينات الانتاج فى مشروع الجزيرة قبل الوصول الى حلول مع مزارعى المشروع حول ملكية الارض، وقبل تنظيم العلاقة بين هؤلاء المزارعين وبين الجهات الاستثمارية التى اشترت سكك حديد الجزيرة والمحالج و الادارات الهندسية للمشروع.

(4)

لفتت انتباهى وأنا أبحث عن أخبار البلاد والعباد فى حوار كمال مع حمدى إجابة الاخير على سؤال بشأن ورقته التى ورد فيها مصطلح (مثلث حمدى) الشهير، اذ ذكر بأنه كتب الورقة التى حملت ذلك المصطلح بناء على طلب من حزب المؤتمر الوطنى الحاكم، وأن التكليف الذى صدر اليه وفقاً لنص كلماته هو: (وضع استراتيجية انتخابية مبنية على الاستثمار الخارجى. أى كيف نستغل الاستثمار الخارجى لكسب الانتخابات؟). مفهوم تماما ان يكلف الحزب النابهين من رجاله ونسائه بوضع الخطط والاستراتيجيات التى تضمن له كسب الانتخابات. ولا خلاف على أن الحكومات الصالحة تنتهج السياسات الفاعلة فى مجال توظيف  الاموال المستقطبة من الخارج لتطوير المجتمعات المحلية. غير ان الاستثمار الاجنبى فى اشكاله القانونية ومحتوياته التنموية ومخرجاته الاقتصادية يظل مُعاملا سودانياً وطنياً محضاً، ويُفترض أن يُوظف توظيفا مدروسا يوافق مصالح البلاد والعباد مجتمعين، ويخدم بالضرورة الأجندة القومية للدولة ولا شأن له بالاستراتيجيات والخطط الانتخابية الحزبية. لماذا اذن يوظف حزب سياسى معين هذا المُعامل لضمان فوزه هو بالذات – دون غيره من الاحزاب الوطنية - فى الانتخابات؟! وبغير شك فإن تصريحات حمدى هنا تلقى، من حيث لم يحتسب الاستاذ، بظلالٍ وشبهات حول مجمل توجهات الحكومة  فى ميدان السياسات العامة اجمالا، وتثير الشكوك بشأن اعتماد وتوجيه مسارات الاستثمارات الاجنبية تخصيصاً، وعما اذا كان الجهاز التنفيذى يرعى وجه الله والوطن حقاً، وهو يمارس سلطاته الدستورية فى مجال الاستثمار الخارجى تخطيطا وتنفيذاً، أم انه يرعى فقط وجه الحزب والجماعة. وربما تبدو تساؤلاتنا هذه عند البعض على درجة من البلاهة، فعن أية ظلال وأية شبهات نتحدث، والورقة التى قدمها حمدى تدعو الحكومة بلغة عربية مبينة وبغير مواربة الى استغلال الاستثمارات الاجنبية كسلاح انتخابى من خلال توجيه الاستثمارات وقصرها على مسطحات جغرافية وديموغرافية بعينها فى وسط السودان يرجى فيها كسب مقدر للحزب الحاكم، وغض البصر تماماً عن مناطق اخرى تغلب على تركيبتها السكانية مناهضة الحزب الحاكم  وموالاة الاحزاب المعارضة. وهو تخطيط شيطانى ممعن فى الانتهازية والميكافيللية، لا يصدر الا عن ذات العقلية البراغماتية التى لم تبال بالكلفة الاجتماعية الفادحة والآثار النفسية والاخلاقية المدمرة التى افرزتها ملحمة تحرير الاقتصاد، وهى ملحمة  قادها حمدى فى مواجهة ملايين الاسر الفقيرة دون ان يرق له قلب او يطرف له جفن.

مما يسترعى النظر أيضاً تصحيح الاستاذ للمصطلح الذى انتجته الورقة المشار اليها وهو مصطلح (مثلث حمدى). قال الرجل انه لم يستخدم لفظة ( مثلث)، بل أن الكلمة التى جاءت فى ورقته هى (محور). أذن هو محور – وليس مثلث - دنقلا سنار كردفان. ثم أضاف: ( أهمية كلمة "محور" أنها فضفاضة تذكر بمحور الحرب العالمية، اليابان، ايطاليا، والمانيا. دول بعيدة من بعض ولكنها تمثل محور اتفاق .. دنقلا وسنار مناطق امتزج فيها السودان وهى التى ستسقط ناس الجبهة أو تأتى بهم). وبما اننى استخدمت فى بعض مقالاتى السابقة عبارة "مثلث حمدى" فقد رأيت من حق الرجل علىّ نقل كلماته وإبراز هذا التوضيح. ولكن الامانة تقتضى ان اذكر بأن ذلك ليس هو السبب الوحيد لاعادتى نشر الاجابة بحذافيرها. السبب الآخر هو اننى اندهشت لأن حمدى، وهو أحد القادة التاريخيين للحركة الاسلامية والمنظر الاقتصادى الرئيسى لنظام الانقاذ، لم يستخدم فى وصف الحزب الحاكم اسم: (المؤتمر الوطنى)، وانما قال: (ناس الجبهة). ثم أن صيغة الخطاب فى قوله: (هى التى ستسقط ناس الجبهة او تأتى بهم) تؤشر الى ان حمدى لا يتحدث عن جماعة ينتمى اليها، بل عن جسم سياسى مختلف تماما، فهو هنا يتحدث عن العصبة المنقذة بصيغة الآخر. لكأنه يشير الى زمرة من الناس ليست بينه وبينها صلة تنظيمية او فكرية أو هوية مشتركة. هل غادر حمدى السفينة اذن قبل ان (تغرق)؟!

نعم صحيح، الاستاذ عبد الرحيم حمدى رجل براغماتى صميم. ونعلم عنه انه غادر سفينة جبهة الميثاق الاسلامى فى مايو ١٩٦٩ بعد ان غرقت بيوم واحد. أما ان تصل به البراغماتية الى مغادرة سفينة الانقاذ، وهى ما تزال فتية عفية تمخر عباب البحر، تأسيساً على تحليل اقتصادى قد يصيب أو يخيب، يفيد بأنها توشك على الغرق، فهو ما لم يسبقه عليه أحد، ولا حتى وليام جيمس مؤسس الفلسفة البراغماتية نفسه!
نقلا عن صحيفة ( الاحداث )



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المحبوب أحمد الأمين




مُساهمةموضوع: رد: يا حمدي والله دي دراما فندقية وإستثمارية محبوكة بإتقان ... لكن الله في .. وتأكد بأنو ما حا يسيبك .. معقولة يا أخي ؟؟    الثلاثاء 9 يونيو 2015 - 5:20




من الدهشة نسيت ما أشكر الاستاذ هباني على الرصد الدقيق
أتاريهن شاغلين الناس بي كرتي وغندور والناس بي هناك تأمن في أولادا !!!!

(................ أفكر فى ان اترك لاولادى شيئا يتعيشون به قبل ان اغادر هذه الدنيا الفانية. لدى فكرة بنك جديد وقد تكرم بنك السودان علىّ برخصة. وأيضا يمكن تطوير بعض الشركات القابلة للتطوير والاذاعة...........)




غايتو أولادك ديل إلا يكونوا أولاد حاج الماحي !!
يعني ولا حساب توفير في بنك ؟؟
إلا بنك بي صمتو ؟؟
يخسي عليك







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
يا حمدي والله دي دراما فندقية وإستثمارية محبوكة بإتقان ... لكن الله في .. وتأكد بأنو ما حا يسيبك .. معقولة يا أخي ؟؟
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: منتدى الحصاحيصا العام-
انتقل الى: