الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 سلام على يونس الدسوقي في العالمين!! تاني وتالت ورابع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المحبوب أحمد الأمين




مُساهمةموضوع: سلام على يونس الدسوقي في العالمين!! تاني وتالت ورابع    الإثنين 23 نوفمبر 2015 - 15:02




في ذكرى الاستاذ محمود
سلام على يونس الدسوقي في العالمين!!


رجل فقير، نزيه، عف اللسان، حاضر الجنان، مستقيم الخلق، ينضح إباء وشمم، مثقف يدمن الاطلاع، ويطرب للحوار، في عينيه حزن دفين، تراه فلا تخطئ في ملامحه هموم الوطن ومعاناته، إذا حدثك وددت لو انه لا يصمت، وإذا انصت إليك تمنيت لو انه ينطق بكلمة!! كان جل وقته مقسم بين الجلوس، في كرسي قديم، داخل كشك ملئ بالكتب والمجلات والصحف، في وسط سوق مدينة كوستي في الستينات وأوائل السبعينات، وقد كتب عليه بطلاء باهت \" مكتبة الفكر\".. وبين المعتقل الذي ما يكاد يخرج منه، حتى يدخله من جديد، باعتباره من أهم قادة الحزب الشيوعي السوداني، في المدينة، بل وعلى نطاق السودان.. ثم الوقت الذي يقضيه في المحاضرات، والندوات، وجلسات الحوار، بمنزل صديقه الأستاذ محمود محمد طه، بحي المرابيع.. تلك باختصار كانت الحياة الثرة، التي عاشها العم يونس الدسوقي، والتي لم يمل تكرار الحديث عنها، حتى آخر أيامه..

لقد كان يونس الدسوقي مثقفاً عتيداً، تخرج من مدرسة الكادر، يناقش في الديالكتيك، والمادية التاريخية، والصراع الطبقي، ونظرية فائض القيمة، ويقرأ بنهم لكافة المدارس الفكرية والأدبية، ويحفظ نهج البلاغة، والمتنبئ، وابوتمام والبحتري، ومقاطع من الأدب العالمي، عن ظهر قلب!! ويحاور زبائن مكتبته في ما يشترون من كتب ومجلات وصحف.. أول مرة سمعت عن عم يونس الدسوقي، كانت من الاستاذ محمود.. قال (لما كنا في كوستي كان من ضمن الناس البزورونا، شيخ فلان \"ذكر الاستاذ الاسم ولكني لا اذكره الآن\".. وكان القاضي الشرعي، وامام الجامع الكبير، وبرضو اظنو المأذون.. يقعد معاي مرات ساعة أو ساعتين، ما يتكلم الا عن تأخر العلاوة، وكيف انو جماعتو في الشئون الدينية، منعوا عنو الترقية.. بعدين تلقاه يتكلم عن الغلاء، وزيادة سعر اللحم، والسكر وكدا.. بعد شوية يجي صاحبنا يونس الدسوقي، راجل اغبش، و شيوعي معروف، ودائماً يعتقل، أول ما يقعد أسالو عن حالته، طوالي يبدأ يتكلم عن وضع البلد، واخطاء سياسات حكومة ناس عبود.. وكيف الناس تعبانة والوضع في الجنوب متأزم.. وتشعر انو يتحسر على الفقراء، ويتألم لحالة المعدمين) ثم ابتسم الأستاذ وقال (رجل الدين مشغول بي علاوته، والشيوعي مشغول بحال الناس)!!
قبل ان اقابل عم يونس في القاهرة، حيث استقر حين هجر السودان، حدثني الأخ د. صلاح الزين بان عم يونس، قابل مجموعة من المثقفين السودانيين، فنقد لهم، موقف المثقفين من محاكمة الاستاذ محمود واغتياله.. وحدثهم كيف ان الأستاذ حين واجه المحكمة، كان يعبر عن ضمير الشعب السوداني، ولم يكن يعبر عن فكرته، التي يختلفون معه حولها.. ولهذا لم يكن يستحق منهم هذا الخزلان.. ثم أخذ يحدثهم عن سيرة الاستاذ محمود حتى بكوا جميعاً!!

عندما زرت عم يونس الدسوقي، في الفندق الصغير، الذي كان يقيم فيه بالقرب من ميدان رمسيس، في وسط القاهرة، في منتصف التسعينات، وعرفته بنفسي بادرني قائلاً: وين جمعة حسن؟! أخبرته انه في أمدرمان. فقال: جمعة دا كان طالب في المدرسة الصناعية، في كوستي لما دخل معانا في الحزب الشيوعي.. وكان طاقة عجيبة، يمكن يساوي عشرة من زملاهو.. قام غاب عننا زي سنة كدا، لقيتو شايل كتب الجمهوريين يبيع فيها!! قلت ليهو: ياجمعة الحكاية شنو؟ مالك خليتنا وبقيت مع الجمهوريين؟! قال لي: يا عم يونس انا والله بحترمكم.. لكن اليقين الشفتو في عيون الاستاذ محمود، ما شوفتو في غيرو.. قلت ليهو: والله صدقت ياولدي، صدقت!!

دعوت العم يونس في شقتنا بحي النصر، وحضر عدد من الاصدقاء، وطلبوا منه ان يحدثهم عن حركة النضال الوطني، حين كان ناشطاً فيها، في الخمسينات والستينات.. فتحدث قليلاً عن نشأة مؤتمر الخريجيين، وبدايات الاحزاب السياسية، ومواجهة الحزب الشيوعي لنظام عبود.. ثم آثر ان يتحدث عن الموضوع، الذي يعشقه، ولا يمل الحديث فيه، وهو سيرة الاستاذ محمود فقال (محمود كان شغال في المشاريع، بتاعة النيل الابيض، هو مساح شاطر، لكن اشتهر اكثر، بانو برضو أمين، ودقيق، بصورة ما طبيعية.. الملاك كانو ما بدو غيرو شغل الا ما يلقوه..كان يقضي ثلاثة، اربعة شهور، في المشاريع، وبعدين يجي كوستي، كان يجيب معاه حصيلة عمله حوالي خمسة ألف جنيه!! ودا كان مبلغ خرافي.. اذا كان قاضي المديرية كانت ماهيته ثلاثين جنيه.. في غرفتو بتاعة بيتو الفي المرابيع، كان عندو تربيزة، بتاعة حديد يخت فيها القروش ديك كلها.. ومن الصباح للمسا الناس داخلين وما رقين.. نسوان ورجال ما عندهم شغلة بالندوة وللأ النقاش البكون داير.. كل واحد منهم، يوسوس مع محمود، فيقوم يأشر ليهو على التربيزة، يمشي يشيل المبلغ الطلبو ويمرق!! المسألة دي تستمر لغاية ما القروش تكمل.. لا عندو خزنة ولا جزلان!! الناس ديل، فيهم واحدين بكفرو محمود، ويسبوه في غيابو ولما يجي، يجوا يشيلو منو قروش!! مرة واحد كان حاضر الحكاية دي، خلى الراجل شال الفي النصيب ومرق.. قام قال لي الاستاذ محمود، الزول دا بقول عنك كلام ما كويس.. وكان داير يشرح، محمود قام وقفو طوالي، وقال ليهو: انا ما بهمني رأيو فيني شنو.. لكن بهمني رأيي أنا فيهو شنو.. ورأيي انو بستحق المساعدة!! يقولو ليك في كتب الأدب، فلان كان كالريح المرسلة، علىّ الطلاق محمود محمد طه، أجود من الريح المرسلة.. والمشاكل الكان بحلها لي ناس كوستي، والقرى الحولها، وعمال السكة حديد، يمين وزارة الشئون الاجتماعية ما تحلها!!

لقد كنا نحاول ان يستريح عم يونس من الكلام قليلاً، فنعطيه ماء أو شاي، ولكنه كان يرشف رشفة، ثم يواصل حديثه.. قال: مرة محمود جاني في المكتبة، وطلب مني كتاب ما بذّكر اسمو هسع.. لكن قال وهو دايرو، عشان يعرف منو اسم الفرعون، الكان مع سيدنا موسى.. اتصلت بي سودان بوكشوب في الخرطوم، ما وجدنا الكتاب.. قمت رسلت لي مكتبة في بيروت.. بعد أيام ارسلو الكتاب، عن طريق بنك باركليز، والجماعة اتصلو بي في المكتبة، عشان استلم الكتاب واسدد ثمنه، لكن التكلفة ما كانت عندي.. مر عليّ محمود كلمتو، برضو ما كان عندو.. وهي التكلفة كانت عشرة جنيه!! قلت لمحمود طيب نعمل كيف؟! قال: خلي البنك يرجعو!! بعد ما مشى، جاني القاضي المقيم، وكان الوقت داك عبد العزيز شدّو، حكيت ليهو القصة.. طوالي اتصل من تلفون الكشك بمدير البنك، وقال ليهو من المبلغ العندكم باسم القاضي المقيم، اخصم عشرة جنيه، وارسل الكتاب لمكتبة الفكر.. بكرة لما محمود جا قلت ليهو: بالله دي حالة دي.. لا أنا ولا إنت عندنا عشرة جنيه، والمغفلين ديل عندهم مئات الجنيهات، واشرت الى بعض التجار. فقال: ما كفاية عليهم انهم مغفلين، كمان دايرهم يكونوا فقرا!! مرة كنت مفلس حق قفة الملاح ما عندي، وقاعد في الكشك ما عارف اعمل شنو، قام جا محمود.. قلت ليهو: ياستاذ انا تعبت من الفقر أعمل شنو؟! قال لي: كلم الله. قلت ليهو أكلمو كيف، واقول ليهو شنو؟ قال لي: اطلع برا الكشك وارفع بصرك للسماء وقول \" رب اني لما انزلت الي من خير فقير \".. وصمت عم يونس ثم أردف: يا سلام يا محمود!! وعاجل دمعة، طفرت رغماً عنه، من مؤخرة عينه، بمنديل كان يحمله في يده، ثم راح في صمت وقور. صمتنا كلنا لدقائق، حتى خرج عم يونس من حالة الحزن، التي احتلت مشاعره.. فسأله احد الحاضرين: وعملت كدا يا عم يونس؟! قال: والله ياولدي عملتها، أنا ما شيوعي؟ عملتها!! وكان ما محمود ما بعملها.. وفعلاً في نفس اليوم، جاتني بيعة كتب، وكراسات للضهاري، يمكن حصلت قريب الثلاثين جنيه!!

سأله احد الحاضرين: انت ياعم يونس اكتر حاجة عجبتك في الاستاذ محمود شنو؟! صمت للحظة، وكأنه يفكر بعمق، ثم قال: الخلاني موله بحب محمود، مقدرته غير العادية على اشعار كل انسان بي قيمتو الانسانية.. بعاملك على أساس انك حر، ويحترمك، مهما اختلفت معاه!! أنا ما كنت بفوت محاضرة، ولا ندوة، ولا حتى جلسة داخلية للجمهوريين.. وكان محمود يعرّفني، بقولو دا يونس الدسوقي صديقنا، وحتى مرة قالها في محاضرة عامة.. مع دا كلو، ما حصل محمود قال لي انت شيوعي ليه.. ولا حصل قال لي ابقى معانا جمهوري!! مرة واحد مولانا اسمو شيخ عبد الله، كان قاعد معانا، وقال لمحمود: يونس صاحبك دا ما عندو دين.. قام محمود قال لي: انت دينك شنو يا يونس؟! قلت ليهو: انا ديني حب البروليتاريا!! مولانا قال: أعوذ بالله، أعوذ بالله.. فقام محمود قال: الله دينو محبة الاحياء والاشياء.. الله خلق الوجود بالمحبة. مولانا قال: لا يا أستاذ.. الله خلق الوجود بقوله كن فيكون!! محمود قال ليهو: يعني بالإرادة يا مولانا؟!. شيخ عبد الله قال: أيوة. محمود قال ليهو: الشيخ العبيد ودبدر قال الإرادة ريدة، يعني محبة!! فسكت مولانا.

وواصل عم يونس: في واحد من اصحاب المشاريع، بعرف الاستاذ محمود حق المعرفة، وتعامل معاه كتير.. وكان يجي يكلمني عن اخلاقو ومعاملتو باعجاب شديد.. مشى الحج وجا بقى من جماعة الاخوان المسلمين!! يوم جاني في المكتبة قال لي: قالو صاحبك ما بصلي!! قلت ليهو: انت رأيك شنو في اخلاق محمود؟ قال لي: ما فيها كلام.. قلت ليهو: ومعاملتو للناس؟ قال لي: اصلو ما شفنا زول زيو.. قلت ليهو: طيب ياخي اذا كان الزول، ممكن يكون زي محمود دا بدون صلاة، وبدون دين، الدين لزومو شنو؟! قال لي: انت بتقول كدا عشان إنت شيوعي. قلت ليهو خليني أنا، النبي ذاتو ما قال الدين المعاملة؟ فسكت. لما نقلت النقاش دا لي محمود، قال لي: هم الناس ديل ما عندهم حاجة.. لكن انتو المثقفين، انسحبتو من ميدان الدين، وتركتوه ليهم يتحكمو فيهو..

وواصل عم يونس: انا مرة اعتقلت بواسطة البوليس السري، وختوني في سجن كوستي .. ونحنا معروف عندنا، لما واحد يعتقل، ما في زول بسأل عنو ولا يزورو، عشان ما ندي فرصة لأي اخذ معلومات.. يوم الشاويش قال لي عندك زيارة.. قلت يارب المغفل الزارني دا منو، يمكن يكون واحد من أهلنا الشايقية، جا من البلد، وما عارف الحاصل.. لما مشيت مكتب القمندان، لقيتو دا الأستاذ محمود!! قال لي: انا كنت في المشاريع، واول ما جيت كوستي، عرفت انك معتقل، قلت اشوفك. قلت ليهو: يا استاذ نحن ما دايرين زيارات، عشان البوليس السري، ما يقوم يدخلكم في مشكلة. ابتسم وقال: انت الخوف العندك دا، داير تنقلوا لي أنا؟! قلت ليهو: يا استاذ قالو من خاف سلم. ضحك وقال: هي سلم نفسها معناها شنو، غير السلامة من الخوف؟! ولما طلعت من المعتقل، بعد كم شهر، لقيت ناس البيت عاملين كرامة وضابحين، وعازمين الناس.. وانا عارف انهم ما عندهم حاجة.. قلت ليهم محمود محمد طه جاكم هنا؟! قالو: لا.. وانو القروش اداهم ليها واحد اسمو ابراهيم عبيد.. لما قابلتو بعد كم يوم في السوق، وسألتو، قال لي القروش، رسلها معاهو محمود من الرنك، وقال ليهو اديها أسرة يونس الدسوقي، ولما وصل صادف قبل يوم، من خروجي من المعتقل.. محمود ما بدي وبس بيدي في الوقت المناسب زي ما قال المتنبئ:
ليس التعجب من مواهب ماله * بل من سلامتها الى أوقاتها

قال لي عم يونس: ان شاء الله نرجع السودان، عشان اعرفك بي ناس، معرفتهم تطرب.. وذكر اسماء منها الاستاذ عبد الكريم ميرغني.. ورجع عم يونس الى السودان قبلي، وحين رجعت كان همي، ان اعرف مكان اقامته لازوره.. ولم يقدر الله لي لقاءه، فتوفى قبل ان اقابله.. لقد كان سر اعجابنا جميعاً، بالعم يونس الدسوقي، هو مقدرته الفائقة، على تحقيق قولة اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.. لقد كان باذلاً لنفسه من أجل الحزب، ومن أجل البلد، ولم يظفر بكلمة ثناء، أو اعانة على مصائب الدهر من كليهما.. عاش حر الرأي، شجاع الكلمة، شديد الانضباط في سلوكه العام، متعلقاً بالقمم السوامق من مكارم الاخلاق.. لقد كان انموذجاً رائداً للسوداني الأصيل، الذي يملؤه الوفاء شعوراً باقدار الرجال.. فسلام على يونس الدسوقي في العالمين..

د. عمر القراي / الراكوبة 2011/1/24 م


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
سلام على يونس الدسوقي في العالمين!! تاني وتالت ورابع
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: منتدى الحصاحيصا العام-
انتقل الى: