الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 مقال يستحق القراءه منصور خالد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abdelgadir ahmed




مُساهمةموضوع: مقال يستحق القراءه منصور خالد   الإثنين 25 يناير 2016 - 14:27

فتاوى التكفير بين غلواء الحشوية وانحرافات السيكوباتية

د. منصور خالد

قديماً قالت العرب "من يعش رجباً يرى عجباً". ولكن الأعاجيب في زمان السودان الضنين بالمسرة تكاد تتواتر كلما أهل شهر وبدا للناس قمره. آخر الأعاجيب التي استعظمها الحادبون على وطننا المِسقام هي حملات التكفير الجماعي وفتاوى إهدار دماء أصحاب الرأي المغاير. تلك الفتاوى نسبتها الصحف إلى شيخين من قادة التيار السياسي الإسلامي، وعالم أو عالمين معهديين من أهل التقليد إلى جانب أسماء مجاهيل من الذين، فيما يتبدى لنا، إذا اجتمعوا ضروا، وإذا تفرقوا لا يستبان لهم أمر أو شأن. وتفيد قراءتنا أن المجموعة الأخيرة ضمت نذراً من المطاوعية الشغابين الذين تمهروا في الغلو عند أشباههم في المملكة العربية السعودية، كما ضمت واحداً طردته دولة الإمارات درءاً للفتنة عن مساجدها. وحسناً فعل الشيخان (صادق عبد الله عبد الماجد والحبر يوسف نور الدائم) عندما نأيا بنفسيهما، خاصة عن أولئك المجاهيل وعن فتاواهم التالفة، والتي هي وعفيط الضان سواء. هذا أدنى ما يترجاه المرء من رجال يجلون عن النقيصة، فزَلة الجاهل تؤذيه وحده، ولكن بِزَلة العالِم يزل عَالَم.ء

حملات التكفير في حد ذاتها ليست جديدة في خارطة الإسلام السياسي المعاصر ـ من جمهورية أفغانستان الإسلامية إلى جمهورية ابسيردستان
ء(Absurdistan)ء
الإسلامية أيضاً. والأخيرة تطلق عليها أطالس الجغرافية اسم جمهورية السودان. فمنذ أن اقتسر النظام الراهن حكم السودان أعضل داء البلاد خاصة بعد تقسيم الوطن الواحد إلى دار حرب ودار إسلام، وجَعل أهله أصنافا تتمايز بالديانة، فيها المسلم والكافر والمشرك. ذلك التصنيف المختلق وما تخللته من ريب خبيثة الأصل لم نصمت عنه، كما لن نضيف في الفحص عن أمر خبثه واختلاقه شيئاً إلى ما كتبنا، وهو مبسوط بين يدي القارئ.ء

لا جديد أيضاً في غلواء الشغابين، إذ عرفنا أضرابهم منذ ستينيات القرن الماضي. عرفناهم من ذلك الزمان حمقى يسرفون في الحماقة، وجهال بالغو الرضي بجهلهم واليه اطمأنت نفوسهم. وأكثر ما كان جهل هؤلاء بالدين الذي يتداعون لرفع راياته، ويُحِلون باسمه ـ لا يختلجون ـ دماء اخوتهم في الوطن، بل في الدين. ذلك الانحراف عن الصواب ارتكن دوماً إلى نتيجة مضمرة في افتراض فاسد. الافتراض هو أن أولئك الشغابين ينطقون باسم رب العباد، ويقضون في أمور الدين بتفويض مباشر منه، ولهم العصمة في الحالين. يا لذالك من ظلم لدين يكاد يلحق بالكفر إهدار الدم الحرام: "لا يزال المؤمن في فسحة من دينه مالم يصب دماً حراماً". طمأنينة الجهل وحدها هي التي تكسب المرء جرأة على الحق، لأن الفتوى، أي إبانة الأحكام الشرعية في المسائل، هي اجتهاد بشري تطور مؤسسياً مع تطور الفقه. وقد وردت الإشارة للفتيا في الكتاب المقدس بمعان كثيرة، منها تفسير الأحلام وتأويلها: "يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون" (يوسف 12/42)، "أيها الصديق افتنا في سبع بقرات سمان" (يوسف 12/42). ومنها السؤال التوبيخي "فاستفتهم أهم أشد خلقاً أم من خلقنا" (الصافات 37/149)، " فاستفتهم أ لربك البنات ولهم البنون" (الصافات 37/149). ومنها طلب النصح "يا أيها الملأ أفتوني في أمري" (النمل 27/149). كما منها التحاكم إلى من يملك إبانة الحكم الشرعي. وفي الحالتين التي وردت فيها الإشارة للفتيا بهذا المعنى كان التفاتي لله: "ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن" (النساء 4/127)، "يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة...." (النساء 4/176).ء

مع كل، قاد التطور المؤسسي للإفتاء إلى بروز طبقة من الفقهاء المسلمين كاكليريوس ديني مما أضفى طابعاً كهنوتياً على المؤسسة، فأخذت تؤثم وتكفر وتحرم. والتكفير والتأثيم صناعة كهنوت. هذا التحول ليس هو من الإسلام في شئ، ولعل ذلك هو الذي دفع الشيخ الحافظ الوعي محمود شلتوت للقول أن فتوى المفتي "ليست ملزمة لمن يستفتيه، وللمستفتي مطالبته بالدليل، وله أن يستفتي غيره ممن يطمئن إلى علمه. أما شيخ الإسلام والملا فأن المسلمين لا يعرفونهما، أو لقبين علميين شاع في بعض العصور اطلاقهما على من عرفوا في بيئاتهم بامتياز خاص في علوم الدين والشريعة. ولا يرتبط بهما حق تحليل أو تحريم في الشريعة، وليس لهما من حق في العصمة من الخطأ بل لا يعرفهما الإسلام" (الإسلام عقيدة وشريعة).ء

حقاً، كان علماء الإسلام في ماضي زمانهم يوغلون في الإفتاء برفق شديد، بل كانوا دوماً في تردد بين الإقدام على، والإحجام عن، الفتيا. كان سعيد بن المسيب، مثلاً، وهو واحد من فقهاء المدينة السبعة لا يفتي إلا ويبتدر فتواه بالقول: "اللهم سلمني وسلم مني". وعلى أثره كان يحي بن معين الذي أنفق ماله وعمره على الحديث، وصحب أحمد بن حنبل في رحلة عمره. قال فيه أحمد "كل حديث لايعرفه يحي بن معين فهو ليس بحديث". ويوم سئل عن مسألة استعصت على غيره من العلماء قال يحي: "يا ويلتي أيعبد رب العالمين على رأي يحي بن معين؟" وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قمة القمم في عدم الاطمئنان إلى النفس، رغم أنه خليفة خليفة رسول الله، وصاحبه الذي ما ترك مكاناً جلس فيه بالكفر إلا وجلس فيه بالإيمان. قال عمر: "لو أذن مؤذن يوم القيامة أن كل الناس سيدخلون الجنة إلا واحداً لقلت أنه عمر بن الخطاب". تُرى ما الذي يورث هؤلاء المطاوعية الشغابين تلك الثقة المفرطة بالنفس التي تبيح لهم إراقة دم المسلم إن لم تكن هي الضلالة العمياء.ء

نكاد نلمح وراء هؤلاء الشغابين جماعة في النظام تتناصر بالخداع وتتوالس على الخصوم. تلك الجماعة ما فتئت تهرج بين الناس لتوقد الفتن بوعي كامل. لا تفعل ذلك ابتغاء لمرضاة الله، وإنما ترهيباً لعباده، فعند هؤلاء الرهبوت خير من الرحموت. ولا ريب لدينا في أن توارى التراحم والتسابق للشر يجعل هذه الفئة أقرب ما يكون إلى السيكوباتيين، فالسيكوباتي وحده هو الذي يرتكب الجرم دون أدنى إحساس بالذنب. هؤلاء قوم لا يُجادلون بالتي هي أحسن، بل يفضحون ويُعَرَّون بالتي هي أخشن. فإن كان ثمة كفر، فالكفر في الاتجار بالدين وتسخيره لأغراض الدنيا، ومنها السياسية. كما أن في الجدل الفكري مع الحشوية إراقة لماء الوجه، بل إجتراح لخطيئة نهى عنها المسيح عيسى بن مريم عندما قال: "لا تطرحوا الدرر أمام الخنازير". والحشوية طائفة من المسلمين لا تعرف من الإسلام إلا القشور، ولا تستمسك منه إلا بالمظاهر. ويمثل هذا التسطيح الفكري لا تدرك تلك الطائفة أن الشريعة أصول لا تفاصيل، وأن الدين ـ أولاً وأخيراً ـ مقاصد تتغياها الشريعة، لا شكول ورسوم. لهذا فأن جنايات هذا الرهط على الدين الذي يزعمون الدفاع عنه، ويوحون للناس أنهم وحدهم المالكون لمفاتح أغلاقه، لأدهى بكثير من جنايتهم على المشروع الحضاري الذي توهموا صنعه. أنظر إلى فسل قولهم: "من يدعو إلى الاشتراكية أو الشيوعية أو غيرها من المذاهب الهدامة المناقضة لحكم الإسلام فهو كافر ضال أكفر من اليهود والنصارى". لا شك في أن الساعة العقلية لهؤلاء قد توقفت حيث كانوا يتصارعون مع الشيوعيين في الستينات. لم يسمعوا بالقلاسنوت، ولا يدرون ما هي البروسترويكا، ولم يجيئهم بعد نبأ سقوط حائط برلين. ثم أو ليس الحديث عن ضلال الكفار والنصارى بهذا الأسلوب الجائح هو إعلان للحرب بين أبناء الوطن الواحد، بل الحرب على العالم كله. ذلك أمر لا يقدم عليه إلا مغامر نزق طائش يقوده طيشه للظن أنه "مطاع عند ذي العزة مكين".ء

الحشوية المتطرفة لا تهدد نسيج الوطن وسلام العالم فحسب، بل تكاد تدعى مشاركة رب العباد ـ جلت قدرته ـ في سلطانه. رب العباد وحده هو الحسيب الرقيب يغفر عمن يشاء ويحاسب من يشاء: "أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك". وهو وحده الذي يبشر "الذين كفروا" "بعذاب أليم". وهو وحده الذي يقضي بأن "مثواهم جهنم". وهو وحده الذي يقطع "لهم ثياب من نار"، ويجعلهم في العذاب محضرين. هذه هي اختصاصات ذي الجلالة جلت قدرته وتعالت أسماؤه، لا اختصاصات متفيقهين جهال يهيمون على وجوههم في فلوات السودان يطلقون لحاهم ويحفون شواربهم، ثم يغريهم الجهل القاتل أن "ربك لم يخلق لطاعته سواهم من عباد الله إنسانا". ولعل تلك من تسويلات الشيطان. ما الحال، اذن، أن كان جل هؤلاء المتفيقهين لم يردوا من مناهل العلم إلا الوشل، هذا إن وردوها حقاً. بعضهم، فيما تكشف سيرته، من الذين يأمرون بالأمر ويختلفون إلى غيره، إذ عرفهم أهل السودان وراء تلقيح كل الفتن الدينية التي كادت تمزق نسيجه الاجتماعي. هؤلاء، فيما نقدر، هم الذين ستدور بهم رحى جهنم، ففي الأثر "أن في جهنم أرحاء تدور بعلماء السوء فيشرف عليهم من كان يعرفهم في الدنيا فيقول ما صيركم في هذا وإنما كنا نتعلم منكم؟ قالوا : :كنا نأمركم بالأمر ونخالفكم إلى غيره".ء

أن محنة هذه الطائفة الحشوية، أو بالحرى محنة الذين دفعوا ـ ويدفعون بهم ـ إلى مسرح الأحداث محنة مضاعفة. فأن كانت تلك الطائفة بتفكيرها القمعي، وفهمها السطحي للدين، وانغلاقها الفكري، تعيش بسبب من كل هذا في حالة قطيعة معرفية كاملة مع العالم، إلا أن الذين يدفعون بها إلى لجة الأحداث يعرفون غير هذا. نعم، يعرفون كيف تبدل الحال بعد 11 سبتمبر، ويعرفونه (زي جوع بطنهم). فرايات التطرف الديني الرسمي لم تنتكس في أفغانستان وحدها وإنما نكست في دول أخرى أقبل أهلها بعضاً على بعض يتلاومون. هؤلاء يعرفون أيضاً أن العالم القرية الذي نعيش فيه لم يعد هو عالم المنصور بن أبى عامر الذي يُكَفرَّ فيه أهل الفكر، وتحرق فيه امهات الكتب، ويحمل فيه الناس على رأي واحد ورؤية فريدة للإسلام. فمن أنكر الموطأ طُرِد من المملكة، ومن تشيع لوحق وعُذِّب، ومن اعتزل أهل السنة والجماعة أخمدت أنفاسه. في عالم اليوم التكفير سلاح من أسلحة الدمار الشاملة، هكذا يُعِّرفه العالم، وهكذا سيتعامل مع مجترحيه. وبهذا الفهم تصبح التهمة الاحتياطية المطاطة (الردة) تهمة خاسرة مردودة. ولعله من الخير للذين ارتضوا في ماشاكوس أن يتضمن دستور السودان أعلاناً للحقوق
ء(Bill of Rights)ء
يحتوي على كل مواثيق حقوق الإنسان الدولية والإقليمية قبول النتائج المترتبة على التزامهم ذلك. تلك الحقوق تتضمن حرية الضمير، وحرية الاعتقاد، وحرية العبادة، كما تعني هذه الحريات (بالعربي الفصيح) أن يختار الفرد الدين الذي يريد، وأن يخرج من أي دين إن رغب. من جهة أخرى لا يعني الكفر والإيمان شيئاً في مضمار الحقوق الدستورية (دستور الجبهة الراهن، ودستور ماشاكوس المقترح)، فمناط الحقوق في الدستورين هو المواطنة التي يستوي فيها المسلم والنصراني والدائن بالشرائع التقليدية، كما يستوي فيها الذكر والأنثى. وإن كان متفيقهو الحشوية لا يدركون هذه الحقائق (ولا شك لدينا في جهلهم البالغ بها) فمن واجب الذين صاغوا الدستور، وأولئك الذين مهروا الاتفاقات الدولية، وتراضوا أمام العالمين على مدونة للسلوك العام، أن يبينوا لهم تلك الحقائق، ثم أن يلجموهم عن الغي الذي سيوفي بهم وبنصرائهم إلى خراب. يخلق أيضاً بالذين يدفعون تلك الجماعات التي تعيش خارج إطار التاريخ لإذكاء الفتنة، أو على الأقل يتعامون عنها، أن يكبحوا جماحها إن كانوا راغبين حقاً في سلام ووئام وطني شامل. ولئن كان السلام هدفاً إستراتيجياً حقيقياً للنظام فلن تفيد الناشزون من أهله تكتيكات الإغاظة أو الإثارة للخصوم التي يلجأون إليها، لا لأنها تفتقد لأي إستراتيجية ضابطة فحسب، وإنما أيضاً لأنها تتعارض تعارضاً كاملاً مع استراتيجية السلام والوئام التي بشر بها النظام العالمين.
ء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مقال يستحق القراءه منصور خالد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: منتدى الحصاحيصا العام-
انتقل الى: