الحمد الله رب العالمين، والصلاة وسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فالجموع غفيرة في جنازة الحسن البصري ـ رحمه الله ـ والأعداد هائلة.. فلقد جاء الجميع من كلِّ مكان لتوديع هذا العابد الزَّاهد؛ وليواره التُّرب.. فتارة يهيلوا عليه التُّراب، وتارة يسمحوا الدَّمع الَّذي انسكب غزيراً ذلك اليوم.
وفي طريق عودتهم من المقبرة.. راحوا يذكرون فيما بينهم مآثرة ومحامده...
فمنهم: من راح يذكر زهده وورعه في هذه الحياة.
ومنهم: من راح يذكر كلماته المضيئة، ومواعظه الصَّادقة التي لم تخطئ يوماً طريقها إلى قلوبهم.
ومن تلك الجموع الكبيرة التي شهدت هذه الجنازة ثابت البناني والذي كان كغيره متأثراً لموت الحسن البصري.. وبعد أن تفرَّقت هذه الجموع.. وذهب كلٌّ لحاله تظلله سحابة كئيبة دخل ثابت على إحدى بناته وقلبه يعصره الألم ليصف لها ما رأى في هذا اليوم. فراح يذكر لها الأعداد الكبيرة التي شهدت الجنازة، ومدى حبِّهم للحسن البصري ومدى تأثُّرهم لرحيله، وهنا أطرقت هذه البنت الصَّالحة .. ثمَّ التفتت لأبيها تقول له كلمات قليلة في عددها...
عظمية في معناها.. لتصبح هذه الكلمات درسًا لكل من سمعها.. وموعظة لكل من وعاها... لقد قالت: يا أبي ذاك ستر الله عليه.. هنا.. أطرق ثابت وأطرق الكون معه لهذه الكلمات: ((ذاك ستر الله )).
فهل تأملنا هذا المعنى العظيم؟؟
وهل أدركنا هذه النعمة العظيمة؟؟
وهي نعمة من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى: قال تعالى:
(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ )[إبراهيم: 34].فهذه إطلالة يسيرة على هذه النعمة العظيمة التي غفل عن تدبرها الكثير.
ولعلنا ندرك بعد قراءتها فضل الله علينا، ورحمته بنا ثم لنشكره على إحسانه، وقد وعد سبحانه بالزيادة لمن شكره: قال تعالى:
(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ )[إبراهيم: 7].أخي الحبيب:إن كنت تريد أن تدرك حجم هذه النعمة فما عليك إلا أن تنظر إلى الذين هتك الله سرهم وأزال ستره عنهم تأمل كيف أصبح ذكرهم على كل لسان...
يشمت بهم الشامتون...
وسخر منهم الساخرون...
وهم لا يستطيعون أن يردوا على شامت، أو محتقر أو ساخر فهل تحب أن تكون كحالهم هذا، أم تريد أن يقول لك الله في ذلك اليوم العظيم: (إِنِّى سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِى الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ.) [أخرجه أبن ماجه وصححه الألباني]
وقد كان الرسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من سؤال الله تعالى الستر فلقد قال ابن عمر رضي الله عنهما: لم يكن الرسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي حين يصبح: « اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِى دِينِى وَدُنْيَاىَ وَأَهْلِى وَمَالِى اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتِى ». وَقَالَ عُثْمَانُ « عَوْرَاتِى وَآمِنْ رَوْعَاتِى اللَّهُمَّ احْفَظْنِى مِنْ بَيْنِ يَدَىَّ وَمِنْ خَلْفِى وَعَنْ يَمِينِى وَعَنْ شِمَالِى وَمِنْ فَوْقِى وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِى ». [أخرجه أبو داود وصححه الألباني].
أخي الفاضل:أتعرف كيف كنت ستصير لولا الستر؟؟ كالورقة الذابلة، تصفعها الرياح من كل الجهات لتلقي بها في كل الجهات.
شيء وحيد تبحث عنه.. وتجدُ في البحث إنه الستر... ولكن هيهات.. لقد رفعه الله فأنت مرتدٍ أفخر الثياب ومع ذلك عريان منطوي تحت سقف بيتك.. تحوطك الجدران.. وفضيحتك.. علمها في كل مكان... أتعرف كيف كنت ستصير لولا الستر؟؟ كالجيفة المنتنة.. يتأذى منها على بعد كذا وكذا.
إنك بدون ستر الله.. لا شيء لأن مكانتك الاجتماعية ستصبح هباء ووقارك الديني.. ستبعثره الهواء وتغدو أنت وأنفه الأشياء سواء.
أخي الفاضل:لقد استمعنا كثيراً لقصص الذين فضحهم الله... وفضح أفعالهم القبيحة وأظهر للناس ما كانوا يخفون ويسرون.
فما أحوجنا أن نستلهم من قصصهم المواعظ والعبر لنتجنب الطريق الذي ساروا عليه ونحذر من المصير الذي صاروا إليه، قال تعالى:
(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [يوسف: 111].فالكل يعلم قصة ذلك الرجل الذي مات ساجداً لفتاة.
الكل يعلم عن تفاصيل ذلك المشهد الأليم الذي ختمت حياته به...
فيا ترى كم ستره الله قبل صنيعه هذا؟؟ كم أخفى أفعاله عن أعين الناس؟؟
حتى جاء اليوم الذي أزيل عنه الستار.. لتبقى قصته بأحداثها المفجعة موعظة يرددها الدعاة ودرساً لكل العصاة.
أيضاً تلك الفتاة التي خالفت أمر دينها حين تناست قول ربها:
(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: 18]. فحادثت شاباً على الهاتف ودار بينها وبينه ساقط الكلام من غزل وهيام ليسجل صوتها على شريط يتناقله الكثير والكثير حتى وقع بيد أبيها... فكانت الفاجعة.
فيا ترى كم حادثت شباباً قبل هذا الشاب وربها يسترها... ويخفي قبيح صنعها..!؟
حتى جاء اليوم الذي أصبح الموت فيه أجمل أمانيها...
أخي الفاضل:ما أقسى الفضيحة، وما أشد وقعها على الإنسان، وما أصعب اللحظات التي يرى الإنسان نفسه محاطاً بنظرات غريبة ساخطة.
وإصبع السبابة لا تفتأ تسير إليه، وكأنها لم تخلق لأحد سواه وقد رسمت الفضيحة على وجهه ذلاً وهواناً.. كل نقوشها شاحبة.. وكل ألوانها باهتة..
وللفضيحة في واقع الأمر صورٌ وأشكال:
فربما كانت وقت فعل المعصية.. وذلك بأن يطلع الله الناس على العاصي وهو يقترف الخطأ ويقع في الزلل.
ربما كانت الفضيحة بأن يعلم الناس بعد زمن طويل عن هذه المعصية وهذه الخطيئة.
وها هو الإمام ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ يقول: نظرت في الأدلة على الحق سبحانه وتعالى فوجدتها أكثر من الرمل، ورأيت من أعجبها أن الإنسان قد يخفي ما لا يرضاه الله ـ عز وجل ـ فيظهره الله سبحانه عليه ولو بعد حين، وينطق الألسنة به وإن لم يشاهد الناس، وربما أوقع صاحبه في آفة بفضيحة بها بين الخلق، فيكون جواباً لكل ما أخفى من الذنوب، وذلك ليعلم الناس أن هنالك من يجازي على الزلل، ولا ينفع من قدره وقدرته حجاب ولا استتار ولا يضاع لديه عمل)) اهـ. [صيد الخاطر].
وربما ستر الله على الإنسان زمناً طويلاً، حتى تأتي تلك اللحظات العصيبة والرهيبة.. هناك عند سكرات الموت.. وذلك حين تختلط الكلمات مع الآهات.
وتمتزج الحروف مع الدموع... فينطق المرء بنفسه ويخبر بسره الذي أخفاه وذلك من مكر الله:
(َفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [ الأعراف: 99].وتبقى الفضيحة الكبرى: تلك التي تكون على مرأى ومسمع من كل البشر ومن كل الخلق.. حين يفضح الله من عصاه على رؤوس الأشهاد.. (وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [هود:18] في يوم رهيب عظيم
(ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) [هود: 103].فمن يستطيع حينها دفاعاً أو إنكاراً.. عند ذلك يرى الجميع الستر وقد زال..
والسر وقد هتك.. نعوذ بالله من ذلك الحال.. ولكن العجب من أولئك الذين سترهم الله وستر قبائحهم عن أعين الناس، ولكنهم يأبوا هذا الفضل وهذه النعمة فيكشفون بأنفسهم ستر الله عليهم، وفشوا لمن حولهم سرهم فتراهم يصيبون الذنب والخطيئة في جنح الليل أو في سفرات مشبوهة بعيدة.
وقد كانوا بعيداً عن أعين الناس لم يراهم أحد حتى إذا جالسوا الأحباب والأصحاب بدأوا يقصون عليهم ما فعلوا وما اقترفوا في خلواتهم وفي سفراتهم ولأجل أن فعلهم قبيح وازداد قبحاً بمجاهرتهم به كان العقاب أليماً وشديداً، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (( كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملاً، ثم يصبح قد ستره ربه، فيقول: ـ يا فلان ـ قد علمت البارحة كذا وكذا، فيبيت يستره ربه ويُصبح يكشف ستر الله عنه)) [أخرجه مسلم].
أخي الحبيب:كان السلف ـ رحمهم الله ـ يخافون الله خوفاً عظيماً فهم على فعلهم للصالحات واجتنابهم للسيئات إلا أنهم يخشون الفضيحة ويسألون الله أن لا يكشف عنهم ستره فهذا رجلٌ يذكر أحد العلماء الأجلاء ويصفه بالصفات الحميدة، فيقول هذا العالم له : نحن مذنبون مقصرون لولا ستر الله علينا لافتضحنا..
فماذا عسانا أن نقول نحن؟؟ والله لنحن أولى أن يقول كل منَّا:
والله لو علموا قبيح سريرتي
لأبى السلام علي من يلقاني
ولأعرضوا عني وملوا صحبتي
ولبؤت بعد كرامة بهوان
لكن سترت معايبي ومثالبي
وحلمت عن سقطي وعن طغياني
فأي فضل هذا الذي نرفل فيه؟؟ بل وأي عطاء هذا الذي أكرمنا به الله؟؟
حين ستر عن أعين الناس قبيحنا.. وأظهر لهم حسننا.. فهلا رجوع وندم قبل زوال هذه النعم.. هلا دعنا هذه الإطلالة اليسيرة على هذا الجود الإلهي العظيم أن نستحي ونخجل من نظر الله لنا ونحن نعصيه.. بل ونجعله أهون الناظرين إلينا.
وهل سألت كل واحد نفسه حتى متى يسترني الله وأنا سادر في ملذاتي وشهواتي؟؟
حتى متى أغيب عن نظر الجميع، والله بي وبهفواتي عليم.. فهيا نجدد العهد مع الله.. ونكبح جماح هذه النفس.. قبل أن تكشف العيوب وتزول الأستار ويحل الندم هيا لنعلنها توبة صادقة نمحو بها زلَّة سالفة قبل ذلك النداء العظيم (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) [الحاقة: 18].
وصلى الله على نبينا محمَّد وآله وسلم تسليماً كثيراً